الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٥فلما انتهوا إلى مكة، وأهلها جُرهُم قد قهروا النّاس، وحازوا ولاية البيت، على بني
إسماعيل وغيرهم، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر: يا قوم، إنا خرجنا من بلادنا، فلم ننزل بلداً إلا خرج أهله لنا، وتزحزحوا عنا، فنقيم معهم، حتى ترسل روادنا فيرتادون لنا بلداً يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم، قدر ما نستريح، ونرسل روادنا إلى الشام والشرق، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيراً. فأبت جُرهُم إباءً شديداً، واستكبروا في أنفسهم، وقالوا: والله، ما نُحِبّ أن تنزلوا معنا، فتضيقوا علينا مراتعنا ومواردنا، فارحلوا عنا حيث شئتم، فلا حاجة لنا في جواركم. فقال مضاض بن عمرو الجُرهُمي لقومه: يا قوم إنّي لأحسب القوم سيظهرون عليكم ببغيكم في حرم ربّكم، وركوبكم ما نهاكم عنه، وقلة رجوعكم
عما أنتم عليه، وإياكم وسفك الدماء في الحرم. فأبت عليه جُرهم، فاعتزلهم. فلما وصل جوابهم إلى ثعلبة بن عمرو أرسل إليهم: أنه لابد من المقام بهذا البلد حولاً، حتى ترجع إلى رُسُلي الذي أرسلت، فإن تركتموني طوعاً نزلت وحمدتكم، وواسيتكم في المرعى والماء، وإن أبيتم أقمتُ على كُرهِكم، ولم ترعوا إلا فضلاً، ولم تشربوا إلا رنقاً والرنق: الكدر في الماء - وإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم قتلت الرّجال وسبيتُ النساء و لم أترك أحداً منكم ينزل الحرم أبداً.
فأبت جُرهم أن تتركه طوعاً. وإنّ جُرهم، لما اعتزلهم مضاض بن عمرو ولت أمرها رجلاً يقال له مطعون، وتعبأت لقتال الأزد، فحاربتهم الأزد، فاقتتلوا ثلاثة أيام، فقتلت الأزد مطعوناً، ثم انهزمت جُرهم، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وأجلت الأزد جرهماً عن مكة، فنزلت فرقة منهم وادي، إضم، فسلّط الله عليهم الذر، فأفناهم .. ثم أتاهم سيل إضم ليلا فأبادهم واكتسحهم.
في حديث طويل اختصرناه حذر الإطالة.
ولحقت فرقة منهم باليمن، وكان مُضاض بن عمرو قد اعتزل عن جُرهم، ولم يُعن
جرهم في ذلك وقال: قد كنت أحذركم هذا.
- 791 -