الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٠فولوا
منهزمين آخر النهار حتى انتهوا إلى معسكرهم، وقد قتل منهم خلق كثير، وكثرت الجراح في عامتهم، فعند ذلك أرسلوا إلى مالك بن فهم يطلبون منه أن يَمُنْ عليهم بأرواحهم، ويجيبهم إلى الهدنة، والصلح، وأن يكف عنهم الحرب، ويُؤجّلهم إلى سنة، ليستظهروا على حمل أهلهم من عُمان، وأن يخرجوا منها بغير حرب وقتال، وأعطوه على ذلك عهداً وجزية على الموادعة. فأجابهم مالك بن فهم إلى ما طلبوا وسألوا منه، وهادهم، وأعطاهم على ذلك عهداً وميثاقاً أنه لا يُعارضهم بشيء، إلا أن يبدؤوه بحرب وقتال. فكفّ عنهم الحرب، وأقرهم في عُمان على ما سألوه، فعادوا إلى صحار وما حولها من الشطوط. فكانت الفرس في السواحل والشطوط، وكانت الأزد ملوكاً في البادية وأطراف الجبال. فانحاز عنهم مالك إلى جانب قلهات.
فيقال إن الفرس في مُهادنتهم تلك طَمُّوا في عُمان أنهاراً كثيرة، وغموها (3). ثم إنهم من فورهم ذلك في مهادنتهم تلك كتبوا إلى الملك دارا بن دارا، وأعلموه بقدوم مالك بن فهم الأزدي بمن معه إلى عُمان، وقتله لقائده المرزبان، في جُلّ قواده وعسكره، وما كان من شأنه، ويخبرونه بما هم فيه من الضعف والعجز، ويستأذنونه في التحمل إليه بأهلهم وذراريهم إلى فارس. فلما بلغ ذلك الملك دارا غضب غضباً شديداً، ودخله القلق وأخذته الحمية لمن قتل من أصحابه وقواده. فعند ذلك دعا بقائد من عظماء مرازبته وأساورته، وعقد له على ثلاثة آلاف من أجلاء أصحابه وشجعان مرازبته وقواده، وقدمه فيهم، وبعث بهم مدداً لأصحابه الذين بعمان فتحمّلوا في البحر إلى أن تحصلوا بعمان وكلّ ذلك، ومالك بن فهم لا يدري بشيء من أمرهم. ثم إن الفرس الذين كانوا بعُمان مكثوا في عُمان أيام مهادنتهم تلك، إلى أن أدركهم الرَّوع)، واستراحوا، وأتاهم المدد من عند الملك من أرض فارس. فعند ذلك جعلوا يستعدون ويتأهّبون لحرب مالك بن فهم ومن معه من
الأزد.
(53) غممت الشيء: إذا غطيته. (اللسان).
(54) كذا في الأصول، والسياق يقتضي خلاف ذلك، أي إلى أن زال عنهم الروع.
- 722 -