الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦١و لم يزالوا على ذلك إلى أن انقضى أجل الهدنة وانتبه لهم مالك بن فهم، وجعل يستطلع من أخبارهم، حتى بلغه حصول المدد عندهم، وقد انقضى أجل الهدنة، فأرسل إليهم: إني قد وفيت لكم بما كان بيني وبينكم من عهد وأكيد صلح، وقد انقضى الأجل الذي كان بيني وبينكم وأنتم بعد حلول بعُمان. وبلغني أن قد أتاكم من عند الملك مدد عظيم، وأنكم تستعدّون لحربي، وقتالي فإما أن تخرجوا من عمان طوعاً، وإلا زحفت إليكم بخيلي ورجلي في كافة عسكري وجيوشي، ووطئت ساحاتكم،
وقتلت مقاتلتكم، وسبيت الذراري، وغنمت الأموال، وأقمت على كرهكم. فلما وصلت رسل مالك بن فهم إلى الفرس بذلك، هالهم أمره، وأعظموا رسالته إليهم، مع قلة أصحابه وعساكره لديهم، مع كثرة ما اجتمع إليهم من العساكر والجنود، وما هم فيه من القوة والمنعة والعُدة والعَدَد. فزادهم ذلك غيظاً وحنقاً، وردّوا عليه أقبح ردّ.
فعند ذلك زحف مالك بن فهم إليهم في خيله ورجله وجميع عساكره، وسار حتى وطئ بهم أرض الساحل. وبلغ ذلك الفرس، واستعدت للقائه، وخرجت الحربه، ومعهم الفيل، وأقبلوا حتى قربوا من معسكر مالك بن فهم، وقد عبّا مالك بن فهم أصحابه كتيبة كتيبة، وراية راية، وجعل على ميمنته ابنه هناءة بن مالك، وعلى الميسرة ابنه فراهيد بن في القلب في بقيّة ولده وأهل النجدة والشدة من أصحابه وخواصه، من فرسان الأزد
وغيرهم.
مالك، وهو
ثم التقوا، ونادى بعضهم بعضاً، وحملت عليهم فرسان الأزد، ميمنة وميسرة وقلباً، وصدقتهم الأزد الضرب والطعن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ودارت الحرب بينهم كأشدّ ما تكون مليّاً من النّهار، ثم انكشفت عنهم العجم، وكان معهم فيل، فتركوا الفيل، فدنا منه هناءة بن مالك، فضرب خُرطومه بالسيف، فقطعه، فولى له صياح. وحمل عليه معن بن مالك، فعرقبه بالسيف، فسقط. ثم إن العجم ثابوا ورجعوا، فحملوا على الأزد حملة رجل واحد، فجالت الأزد
- 723 -