الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧١يليه، ما خلا سليمة، فإنّه أضعف، همةً وأعجز منّةٌ)، وإنه إذا جنه الليل في الليلة التي تكون نوبته في الحرس يعتزل عن فرسان قومه ويتشاغل بالنّوم والعفول عمّا يلزمه فلا يكون لك فيه كفاية ولا مغنى.
وجعلوا يوهنون أمره عند أبيه وينسبونه إليه العجز والتقصير. فقال لهم مالك: إنكم لكذلك. وما أحد منكم إلا وهو قائم بما يليه وأما قولكم في ابني سليمة بما قلتم فليس هو كذلك، وإن ظنّي فيه كعلمي، ولم تزل الإخوة يحسد بعضهم بعضاً، لإيثار الآباء بعضاً على بعض. فانصرفوا من عنده راجعين بغير ما كانوا يؤملون في أخيهم سليمة. ثم إن مالكاً دخله الشك، فأسرّ كلامهم ذلك في نفسه، إلى أن كان الليلة التي كانت فيها نوبة سليمة، وقد خرج في نفر من فرسان قومه يحرسون في العادة، إلى أن جنّهم الليل، ثم اشتدّ في المكان الذي كان يكمن فيه بقرب دار أبيه. فبينما هو كذلك إذ أقبل مالك بن فهم من قصره في جوف الليل، مختفياً من حيث لا يعلم به يريد ابنه سليمة في ذلك الموضع لينظر إن كان كما نقل إليه ولده عنه أم لا، وكان سليمة في ذلك الوقت قد لحقته سنة (70)، فأغفى على ظهر فرسه، وهو متنكب كنانته، وفي يده قوسه.
قاصداً
أحد،
وهو على ذلك الحال إذ أقبل مالك بن فهم في سواد الليل، قاصداً نحوه، فحسّت الفرس مالكاً ورأت شخصه من بعيد وهو متنكر فصهلت الخيل، فانتبه سليمة من سنته تلك مذعوراً، ونظر إلى الفرس وهي ناصبة أذنيها نحو شخص مالك وحسه، ففوق سهمه في كبد قوسه ويممه نحو شخص مالك، وهو لا يعلم أنه أبوه، فسمع مالك صوت السهم، وقد خَشَف (21) في القوس، حين أرسله نحوه، فهتف به، يا بني، لا
(V 1)
(74) المنة: القوة، وفي الأصول: منه، وهو تصحيف.
(75) السنة: النوم.
(76) خشف: سمع له صوت أو حركة، وخشف في الشيء، واختشف: دخل. (اللسان).
- 733