الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٦هنا. فيقول الملك مكانك حتى قدم مكة. وكان كل مكان نزل فيه صار عمراناً، وكل مكان تعداه صار مفاوز وقفاراً، وكلُّ ماوضع قدمه فيه (122) صار قرية، وما بين
(121)
،
خطوتيه مَفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتةً من ياقوت الجنّة، وكانت موضع البيت. فبنى آدم البيت من خمسة أجبل: من طُور سيناء، وطور زيتون، وأبان (123)، والجودي (124)، وبنى قواعده من حراء من بنائه خرج به الملك إلى عرفات، فأراه فلما فرغ المناسك كلها التي يفعلها الناسُ اليوم. ثم قدم مكة فطاف بالبيت أسبوعاً، ثم رجع إلى الهند، فمات على نوذ. ثم رفعت تلك الياقوته، حتى بعث الله إبراهيم، فبواه الله له (126)، فبناه. فذلك قوله عزّ وجل: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ (127).
(127)
وفي موضع آخر أن البيت أهبط (الله) له ياقوتة واحدة أو دُرّة، حتى إذا أغرق الله قومَ نُوحٍ رفعه وبقي أساسه، فبرأه الله إبراهيم، فبناه. وذكر إن الله - تبارك وتعالى- لما أنزل آدم من الجبل الذي أهبط فيه إلى سفحه ملكه الأرض وجميع من عليها من الجنّ والبهائم والدواب والوحش وغير ذلك، وأنّ آدمَ الله لما نزل من رأس ذلك الجبل فقد كلام أهل السّماء، وغابت عنه أصواتُ الملائكة، ونظر إلى سعة الأرض وبسطها ولم ير فيها أحداً غيره استوحش فقال: يا ربّ، أما لأرضك هذه عامر يُسبح بحمدك ويُقدّس غيري؟ فقال الله تعالى: إني سأجعل فيها من ولدك من يُسبح بحمدي ويُقدسني، وسأجعل فيها بيوتاً تُرفع لذكري، ويُسبّح فيها خلقي، ويُذكر فيها اسمي، وسأجعل من تلك البيوت بيتاً أخصه بكرامتي وأوثره باسمي، وأسميه بيتي، وأنطقه بعظمتي، وعليه وضعتُ جَلالي، ثم أنا مع ذلك، في كُلّ شيء، ومع كلّ شيء، أجعل ذلك البيت حَرَماً آمناً، يحرمُ فيه بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه. فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، ومن أخاف أهله فيه فقد خفر ذمتي، وأباح
(121) إضافة من الطبري 124/ 1. (122) زيادة يقتضيها السياق.
(123) كذا في الأصول وفي الطبري 124/ 1: لبنان، وأبان: اسم الجبلين في بلاد العرب أحدهما أبان الأبيض، وكان لبني فزارة، والثاني أبان الأسود لبني أسد (معجم البلدان).
(124) الجودي: جبل مطل على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة، ويقال إن سفينة نوح هبطت
(125) في الأصول: من حرا، وفي الطبري حراء وهو الصواب، وحراء: من جبال مكة. وفيه الغار. (126) بوأه المكان: هيأه له وأنزله فيه.
(127) سورة الحج، الآية 26.
- 99 -