الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٧حُرمَيْ.
ضامر
أجعله أوّل بيت وضع للناس اللذي يبكة (128)، مباركا (129)، يأتونه ركا (129)، يأتونه شعثا غبراً، على كُلِّ يأتين من كُلِّ فَجٍّ عميق (130)، يَرْجُون بالتلبية رجيم (131)، ويتحون بالبكاء تجيحاً (132)، ويعجون بالتكبير عَجيجاً (133)، فمن اعتمده لا يريد غيره فقد وفد إلي وزارني وضافني، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يُسعف كُلاً بحاجته، تعمره يا آدم مادمت حياً، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمّةً بعد أمة، وقَرْنا بعد قَرْن (134). ثم أمر آدم- فيما ذكر - أن يأتي البيت الحرام الذي أهبط له إلى الأرض، فيطوف به كما تطوف الملائكة حولَ عَرش الله، وكان ذلك ياقوتة واحدة أو دُرّة واحدة، حتى إذا أغرق الله قومَ نوح رفعه وبقي أساسه، فبرأه الله لإبراهيم، فبناه (139).
(150)
وعن قتادة (136) قال: وضع الله البيت مع آدم، وكان آدم رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم وفقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله تعالى فأوحى الله إليه يا آدم إنّي قد أهبطتُ لك بيتاً تطوف به كما يُطاف حول عرشي، وتُصلّي عنده كما يُصلّى حول عرشي، فانطلق إليه يا آدم. (مخرج) ومَدَّ له في خطوه، فكان ما بين كل خطوة مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك. فأتى آدم البيت، فطاف به، ومن
بعده الأنبياء.
قال هشام بن محمد أخبرني أبي عن صالح عن ابن عباس قال: أنزل الله آدمَ ومَن معه، حين
(128) في الطبري 131/ 1 ببطن مكة والعبارة هذه الرواية تصبح مستقيمة. (129) قال الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً). سورة آل عمران، الآية 96. (130) قال الله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق﴾. سورة الحج، الآية 27.
(131) يرحون يتحركون ويضطربون، و لم تذكر المعجمات المصدر رحيج وإنما هو الرج. (132) تج الماء: صبه. والنجّ: الصب الكثير، ونجيج الماء صوت انصبابه. (اللسان) ولا معنى للثج هنا إلا إذا قصد تج الدموع. (133) عج عجاً وعجيجاً: رفع صوته وصاح، وخاصة في الدعاء والاستغاثة والعج: رفع الصوت بالتلبية. وفي الحديث: أفضل الحج العجّ والشجّ فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج صب الدم وسيلان دماء الهدي. (اللسان) والحديث في الجامع الصغير برقم 1248.
(134) هذا النص منقول برمته من الطيري 131/ 1، وهو مروي عن عبد الله بن وهب. (135) الخبر في الطبري 132/ 1. (136) قتادة بن
دعامة السدوسي: من حفاظ الحديث والمفسرين ومن العلماء بالعربية وأيام العرب والأنساب،
وكان أكمه، توفي سنة 118 هـ.