الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٣٩وقالوا لهم: انهضوا بهذه الأموال، حتى تردوا عاصمة إمامته، فإذا وجدتم الأمر كما نقل إلينا من حسن السيرة وإقامة العدل بالكتاب والسنة، وإعلاء كلمة الدين فادفعوها إليه، ليستعين بها على ذلك، وإلا ففرقوها في فقراء المسلمين هناك، فسار القوم على بركة الله إلى أن بلغوا مدينة (تيهرت) ونزلوا بالمصلى الذي به قبر مصالة اليوم، فأناخوا جمالهم ووضعوا أحمالهم ودخلوا من باب الصفا يسألون عن دار الإمام، إلى أن اهتدوا إليها وكانوا يظنون إنها على شيء من العظمة كديار ملوك الشرق، ولما وصلوها وجدوها دار زاهد ورع، ووجدوا عند الباب غلاما يعجن طينا ويناوله لآخر هو الإمام يصلح به بعض خلل فيه، فسلموا على الغلام وطلبوا منه أن يستأذن لهم على الإمام، ويخبره بأنهم رسل إخوانه المشارقة إليه، فرفع الغلام رأسه نحو السطح، وقد علم ان الإمام سمع كلامهم، فأشار إليه أن يصبرهم قليلا، فصبرهم إلى أن نزل وغسل ما كان بيديه من الطين، وجدد الوضوء، و أذن لهم فدخلوا، فوجدوا رجلا جالسا على جلد فوق حصير، وما في البيت شيء سوى سدة ينام عليها وسيف ورمح، وما أشبه ذلك من السلاح الوقتي، وفرس، فسلموا عليه وبلغوه سلام إخوانه، فحياهم بأحسن تحية، وأمر الغلام فأحضر مائدة عليها قرص سخنه وشيء من سمن وملح، فهشم القرص في السمن، وقال: على اسم الله ادنوا وكلوا، فتقدموا وأكل معهم إكراما لهم، وهضما لنفسه ثم قال: ما وراءكم، وما الذي جاء بكم أيها الأخوان؟ فقالوا: دعنا نخلو ببعضنا ساعة ثم نكلمك، فأخلى لهم المكان، وقال بعضهم لبعض: يكفينا عن السؤال عنه ما رأيناه منه مشاهدة من إصلاحه لداره بنفسه، ومن طعامه ولباسه وحلية بيته، فما لنا إلا أن نسلم له المال، ولا نستشير فيه أحدا، ثم أقبلوا عليه وقالوا له: أعزك الله، بعثنا إليك إخوانك بثلاثة أحمال من المال تتقوى بها على عملك، وتصلح بها
139