الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٤٣رجعوا إليهم اخبروهم بما رأوه من الفرق بين الحالين، فساروا من (مدينة) البصرة في كنف الله وحفظه، إلى أن وصلوا (مدينة تيهرت) ونزلوا بمنزلهم الأول، ودخلوا المدينة فرأوا هيئتها قد تبدلت، ولاح عليها رونق المدنية والملك، وعلت وجوه أهلها سيماء الحضارة والرفاهية، وبدت من محياهم آثار النعمة والغنى، وازينت المدينة بقصور مشيدة، ودور منظمة وأبنية مبهجة، وقباب مرتفعة وأسواق مزدحمة ومساجد متعددة، بمنارات عالية، وحمامات متقنة يحيط بها بساتين متنوعة، ومطاحن منتصبة على تلك الأنهار الجارية، واتخذ أهلها الفرش والستائر المزخرفة والخيل المسومة (وقد مر أنها معدنها وتنوعت الألبسة، وتعددت اللغات والأزياء ورأوا ما لم يخطر لهم ببال، ولا سمعوه في مجيئهم الأول بحال من الأحوال.
ا هي.
وعند ذلك دار في خلدهم، قائد الوهم وتسلطن عليهم سوء الظن بحال الإمام، فتسارعوا إلى داره ليروا ما تغير من هيئته وحاله، فألفوه بأحسن ما عرفوه به قبل ذلك من حسن المقابلة والتواضع والزهد في الدنيا مع الحزم الكامل في إدارة شؤون الإمامة، وداره كما. عليه من قبل، فاطمأنت خواطرهم بعض الاطمئنان، إلا أنهم خافوا أن يكون ذلك من ظواهر الأمور، فلم يخبروه بشيء من شأنهم، وخرجوا من عنده ليكتسبوا الحقيقة ممن يظنون فيه الصدق، والأمانة في القول فلاقوا رجالا يثقون بهم،، ويستأنسون إليهم، فسألوهم عن الأحوال فأخبروهم بحسنها، وبأن الإمام على ما هو مشهور به وأكثر من ذلك من حسن السيرة والعدل في الأحكام، وإعلاء شأن الإسلام وأهله، ثم أخبروهم بما معهم من المال، واستنصحوهم، فأشاروا عليهم بتقديمه له، وقالوا لهم انا لا نراه يقبله منكم، وان قبله لم يصرفه إلا في مواضعه الشرعية، وفي مستحقيه كأول مرة، فأتوا إلى الإمام بعد ذلك وأخبروه بالمال، وبحال من خلفوه بالمشرق من إخوانهم، وما هم عليه من موالاته
143