الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٥٦في صحيفة ذهنه مما درسه في وقائع المتقدمين، ووقف عليه في اخبارهم من قتل الملوك في الطرقات والغدر بالخلفاء في المساجد، حيث كانوا بسطاء الحالة لم يجدوا له سبيلا، ثم بعد استعمالهم الجهد في التفكر ضلوا الى مكيدة لو لم يعارضها القدر فذهبت أدراج الرياح، وردت عليهم لكانت القاضية على الامام، والمصيبة العظيمة على المسلمين.
وذلك ان الامام كان له بيت خصصه لنفسه، فيه ما يحتاج اليه من كتبه يخلو فيه للمطالعة والتهجد بالليل على ما يؤخذ من كتب السيرة، داخله فاتفق القوم على أن يجعلوا رجلا بسلاحه في صندوق ذي قفل من ويحمله اثنان منهم ممن لاريبة فيهم إلى الامام، ويظهران له انهما متنازعان فيه ويطلبان منه حفظه على وجه الامانة حتى يعودا إليه، وكأنهم علموا انه إذ قبله لا يضعه إلا في ذلك المحل المخصوص به، محافظة على الامانة وحرصا عليها، فيخرج صاحبهم من صندوقه في الليل ويقتله، إذا علم انه نام، فاتفقوا على هذا الرأي وتيقنوا بنجاحه، وقاموا لانجازه على نحو ما ذكر، فزجوا صاحبهم بطلب ورغبة منه في صندوق مصيبته متقلدا سيفه، وهو لا يعلم انه وقع في هوة هلاكه، واتفقوا معه على انه إذا قتله يذهب الى المنارة ويؤذن فيها ليعلموا بتمام مرادهم، فيهاجموا المدينة،)، ويحتلوا في الليل دار الامارة، ويتمكنوا من الحصون والنقط الحربية، من سور ا وغيره، مما لا حرس فيه، ولما أتوا به الى الامام أجاب طلبهم، وأمرهم بحمله الى المحل المخصوص، ولاحظ حركاتهم عند حمله، فرأى فيهم من الرفق بالصندوق ما دله على ان ما في جوفه انسانا، وأدرك بفطنته الوقادة في الحال أن المسألة لا تخلو من مكيدة غريبة، فوضعوه في المكان، وذهبوا مستبشرين فرحين بما توفقوا اليه من الرأي.
ذلك
المدينة
فأقبل الامام على الصندوق وتأمل فيه مليا وجسه من جهاته الاربع فلم
يجد له قفلا من خارج فازداد يقينا فيما فهمه أولا.
156