الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية سليمان (باشا) بن عبد الله بن يحيى الباروني

الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

حسب.

ولما جن عليه الليل قضى ما يجب عليه من أمور البيت ثم عكف عادته على مطالعة الكتب جانبا من الليل ولما حان وقت النوم عمد الى زق (قربة) ونفخ فيه حتى امتلأ هواء وربطه ربطا خفيفا بحيث يخرج منه نفس خفيف ذو حس كنفس النائم، ووضعه في احدى زوايا البيت وغطاه برداء أبيض ليرى في الظلام، وأوقد قنديلا في زاوية أخرى وغطاه بوعاء يحجب ضوءه عن الناظر، وتنحى لجانب من البيت لاحياء بقية ليله بالصلاة والاستغفار، ولما أحس صاحب الصندوق بعدم وجود القنديل، وسكون حركة الامام ظن انه نام ففتح الصندوق برفق وخرج وسيفه في يده، ووقف مصغيا الى ان سمع. النفس من القربة، وتخيل بياض الثوب في: الظلمة، فظن انها الامام فحمل عليها حملة الابطال وقدها نصفين، وعند ذلك كشف الامام الغطاء عن القنديل فبهت الآخر وأدركه الفشل، وسقط في يديه فبادره الامام بسيفه البتار، وقده نصفين أيضا، وضمه في ثوبه ورده في صندوقه حفرة الخداع وبيت الخيانة، وأتم بقية ليله بالذكر والصلاة حامدا لربه على ما وفقه اليه من التنبه لهذه المكيدة، ولعمري انها لمن أعظم المكائد لو صادفت المرمى، وانها لأشبه شيء بحكاية الزباء، وهي من أقوى الدلائل على ما كان لهذا الامام من الانتباه والذكاء المفرط.

تلك

ولما أصبح الله بالصباح، ولم يقع بالمنارة أذان، وقد قضى القوم ليلتهم في سهر تساءلوا فيما بينهم عن صاحبهم، وقالوا: اما انه لم يفعل شيئا، وأما أن يكون قد دارت عليه الدائرة وقتل، ثم اتفقوا على الذهاب الى الامام شأنه لأخذ الصندوق بدعوى انهم أصلحوا، ولم يبق بينهم في نزاع، ولما أتوه قابلهم بكل بشاشة بحيث لم يفهموا منه مما كان له مع صاحبهم شيئا، وهذا لعمري الحق أيضا من الثبات الذي لا يطيقه إلا أمثال هذا العظيم مكانه القلب، وإذ سألوه رد الصندوق قال لهم هو في الذي وضعتموه فيه، لم

157