الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٦٥وازداد هو نشاطا في التقدم في الاصلاحات، وبينما الحال كذلك إذ أصبح ميمون ابنه قتيلا ممزق اللحم مفرق الاعضاء، ممثلا به تمثيلا شنيعا غدر به أصحاب ابن فندين، لما كمن في صدورهم من الحقد على الامام بسبب تلك الوقائع المتقدمة، ووقعة صاحب الصندوق، وكأنهم أرادوا بهذه فداء تلك، وإذ بلغ الخبر الامام، قام مسرعا الى موقع الحادثة، ووجد ابنه ميمون الناصية ثمرة فؤاده على تلك الحال، فتسربل ثياب الصبر وأبرز من شهامته عظيم التجلد، وكامل الثبات، وان كان في نفسه من الكآبة والحزن ما يذيب المهج ويدك الجبال وقال وهو ينظر اليه.
أي بني اجتمع فيك ثلاثة، قولهم: ويل لمن مرت الخيل على كسائه، وقولهم، ويح من أصيب بليل، وقولهم: إذا مسست ابن السلطان فامسسه مساً عنيفاً، ثم أمر به فكفن وشيعت جنازته حسب الواجب وغض طرفه عن الطلب بدمه، إذ لم يثبت ذلك على أحد ولم يعول على الظنون وأقوال المحركين وأرباب الاغراض، وكان شديد التحري في الدماء وحسب القائل بذلك حجة هذه الحادثة التي قل من يتربص إمامها التحقيق مع الاقتدار، وتوجه التهمة من أول وهلة الى أرباب الجريمة.
وكان لميمون ولد وهو من النجابة والذكاء بمكان، رفيع فرق جده الامام لحاله، وولع به ولوعا زائدا واقامه مقام والده يتسلى به عنه، صارفا همته في تدريبه معمرا جل أوقات فراغه في تربيته وتهذيب اخلاقه وطبعه على الآداب اللطيفة، حتى شب على ذلك وحصل من العلوم النافع منها، ولا غرابة إذ كان يغترف من ذلك البحر الزلال، كل ما رق وطاب من السحر الحلال ويختار النفيس من اللآلي، من معدنها المباح له في الغدو والأصال، فما كذب إذاً من أطنب فيه المقال، ولا ينسب الى الاتيان
بالمحال.
165