الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٩٠فيعكس مهدي عليه القضية، ويعاتبه على اشتغاله بالدنيا وتعلقه بأسباب جمعها تعلقاً زائداً، حتى انهما اجتمعا ذات مرة بتيهرت بين يدي الامام قبل قدومه إلى الجبل، فشكا له كل منهما صاحبه، فقال مهدي ان ابن خالتي هذا يا أمير المؤمنين قد اشتغل بدنياه حتى كاد يضر بآخرته، وقال فرج ان مهدياً هذا ابن خالتي، قد اشتغل بآخرته حتى أحجف بدنياه، وطالما نهيته عن ذلك ولم يقبل، فمن المصيب منا يا أمير المؤمنين؟ فسكت الامام ولم يرد لهما جواباً إلى ان كان قدومه هذا إلى الجبل بعد سنين متعددة، وبينما هو بدار مهدي على ما وصفناه من عدم توفر أسباب راحته من مشقة السفر والمطر، إذ أقبل ابن خالته من غيبته، فطلب منه نقل الامام ومن. معه اليه فساعفه، وفي الحال حضرت الخدم، وهيأ لهم ولدوا بهم ما يكفيهم من المحلات، وخصص لكل واحد منهم فراشاً ووسادة وغطاء، وبدله ثياباً نظيفة طاهرة، ونشر أثوابهم المبلولة بالمطر، وقدم لكل واحد كانوناً من الجمر أمامه، وأحضر لهم في الحال ما كفاهم من أ أنواع الطعام الفاخر، وأكرم دوابهم بما لزم من ا العلف والشعير، وبسط عليهم مما لديه من الخير ما جعلهم في راحة تامة.
واذ ذاك تذكر الامام الحكاية المتقدمة، فدعا مهدياً وقال له: قد حاجك ابن خالتك يا مهدي (لأن للدنيا في اقامة الدين يداً طولى)، وقد تعجب القوم من استحضار فرج في أقرب وقت على حين غفلة تلك الكوانين كلها، ويقال انها محابس فخار كان اعدها للغرس، وكأنهم كانوا يستعملونها على نحو ما يستعملها الناس اليوم في المدن، وهذا دليل على أنهم كانوا أهل اعتناء وعمل للدين والدنيا، لا أهل بطالة وكسل، على حد قول حكيم زمانه وامام أوانه العلامة أبي نصر الماوشائي النفوسي
رحمه الله.
190