الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٩٣وقد تهدم بعضعه الخراب البلدة بجلاء أهلها، وتفرقهم في البلاد بتسلط العرب عليهم بالغارة عند قلتهم، وفي هذا الوقت يضع عرب الرجبان في وسطه وفيما يليه من الارض، مما يعد من حريمه زروعهم تأميناً له من السرقة كما هي العادة في كثير من القرى وبالبوادي، لما يشاهدونه لتلك المساجد والمقامات من الكرامات، حتى هابها المفسدون، وطالما نبهنا عليهم هنالك على هذا العمل، ولم يغن الكلام شيئاً لما عليه العامة في كل الجهات من شدة التمسك بالعوائد، وأشدهم تمسكاً بذلك أهل البوادي والقرى الصغيرة، والتي لا علم فيها، حتى انهم قد يعدون العادة من الدين، وان كانت في الواقع معصية فتراهم يهتكون الحرمة توصلاً إلى الاحترام، فيدخلون دوابهم إلى المسجد فتبول فيه، وتروث ليضعوا فيه زرعهم حماية له باعتقاد البركة فيه، وقد زرت هذا المسجد مراراً، فوجدته في غاية الاتساع والكبر، وما بقى فيه من البناء الاول وانقاضه، يدل على ما كان فيه من حسن الترتيب والصنعة، طالما عمره هذا الامام بمجالس الذكر العظيم، وأضاء فيه الليالي الطوال بالعبادة والقاء الدروس على اختلاف فنونها ويقال: ان غالب دروسه
في السبع سنين التي أقامها هناك في مسائل الصلاة خاصة ولم يتمها. وبالجملة فقد نشر في تلك المدة من درر البيان وجواهر التبيان ما اهتدى به کل جاهل، واستضاء به کل مظلم، وتنبه به كل غافل من علوم زاهرة، ومواعظ زاجرة، وأحاديث فاخرة، عطفت عليه الالباب، وأخضعت له الرقاب، فاتسعت حلقة مجلسه المهيب وانتظم في سلك عقدها العلماء الراسخون وأمها من الفقهاء والعلماء والادباء والعباد وأهل الصلاح من نفوسة وغيرهم من يثلج ذكرهم الصدور، ويملأ حديث مفاخرهم ومزاياهم الدفاتر والسطور، فرحم الله الكل ورضي عنهم.
193