الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٩٤حكاية أبي عبيدة في نهي الامام - رحمهما الله
ومما دون في التاريخ، ان خيل الامام ودوابه أفسدت بعض المزروعات والاشجار المجاورة لمرعاها بتهاون الرعاة واهمالها، فبلغ الخبر أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني ذلك الرجل الباسل علامة عصره، وكان شديد الشكيمة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، عالي الهمة بعيد الجاه لا يخاف في الله لومة لائم، ذا علم غزير، وورع زائد وزهد فائق، وفصاحة بالغة، فأتى إلى الامام مستأذناً، فأذن له، ولما دخل وسلم كما يلزم قال: وهو قابض على سيفه مخاطباً للامام يا أمير المؤمنين، قد آذيت الضعفاء والفقراء واليتامي بخيلك لاهمال رعاتك، فكفها عن المضرة، والا حال بيننا وبينك هذا (يعني السيف)، فأطرق الامام لحظة من الزمن مفكراً، وقال: ان كان أبو عبيدة في شيء من هذا القطر، فهو هذا، فقال له الحاضرون الامر كذلك فقال: صدق المشائخ الذين زارونا بتيهرت وأعجبنا حالهم، وسألناهم عمن خلفوه في الجبل فقالوا: تركنا من هو خير منا، وهو أبو عبيدة ثم قرب مكانه منه وشرف منزلته ورسخت محبته عنده، حتى اختاره بعد ذلك لامارة الجبل، كما سيأتي ذكر الحكاية كل مؤرخينا، وفيها ذكروه اختصار مجحف بما يقتضيه المقام، بل في كلامهم ما يوهم ان الحكاية وقعت بعد وصول الامام، إلى قرية ميري واقامته فيها، وهو أمر يستبعده العقل جداً فان أبا عبيدة مع جلالة قدره وشهرته، لا يمكن ان يجهله الامام حتى يستفهم عنه، بل لا يمكن أن يعرف أحداً قبله، فالمناسب أن يقال ان القضية وقعت حال مسير الامام، بين قرى الجبل قبل وصوله ناحية فساطو، وقبل اجتماعه برجال تلك الجهة، أو يقال ان أبا عبيدة كان مسافراً في بعض جهات بعيدة، ولم يأت الا بعد وصول الامام واقامته، والله أعلم بالواقع، وعلى كل حال فالمسألة دليل قاطع على ما كان لرجال الأباضية، من قلة المبالاة
?
194