الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ١٩٦نزل على المدينة وحاصرها محاصرة شديدة مدة من الزمن، لم
يبينها المؤرخون فسد عبد الله باب زناتة، وصار يقاتل من باب هوارة، وفي أثناء ذلك استشهد العلامة الشيخ مهدي النفوسي، المتكلم الجليل الذي تقدم انه ذهب إلى تيهرت في مقام مائة عالم، وذلك انه انفرد عن العسكر على شاطيء البحر، ورأوه من المدينة فسبحوا اليه وقتلوه، وأخذوا رأسه وعلقوه على السور، فان قالوا له: انهزم أصحابك الاباضية عبس وانقبض، وان قالوا له انهزم الجند تبسم وانبسط، نقل ذلك الشماخي وغيره رحمهم الله وان لله خرق العوائد فلا غرابة، وقد صعب موته على الامام والمسلمين كثيراً، واستعظموا مصيبته، وان كان القضاء لا يرد وكل حي خلق للموت، الا ان لموت مثله في مثل ذلك الوقت الذي هم في حاجة فيه إلى أمثاله وقع عظيم. وحيث ان المدينة حصينة جداً وسورها في غاية المنعة، صعب على الامام افتتاحها، فصار يجمع رجاله لتدبير الوسائل المعينة على ذلك كل ليلة، وكلما دبر بالليل رأياً وجده بالنهار فاشياً في العسكر، فيؤخر عن
ذلك
حضور مجلسه في الليلة المقبلة من يتهمه بافشاء السر، وصار يفعل. كل ليلة إلى أن بقي هو ووزيره ذلك السياسي الكبير المدير الخطير العاقل الشهير باصابة الرأي، والصدق في الاقوال والافعال (مزور بن عمران)، فقال عند ذلك لا أحاصر مدينة كهذه في المنعة برجل واحد، وفي ذلك الوقت أرسل اليه عبد الله رسولاً يطلب منه الصلح لما بلغته وفاة والده ابراهيم بالقيروان، أجاب الامام طلبه وخفف وطأة الحصار، وأبرم. معه عهداً على أن تكون المدينة والبحر لعبد الله، وما كان خارج المدنية كله إلى نهاية أرض سرت للامام، فدخلت هوارة كلها ومن معها من القبائل في دائرة حكم الامام، وولى على الكل عمالاً من عنده، وعاد بعساكره راجعاً إلى الجبل،
196