الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧ولما التحم القتال واشتد خلف وعساكره، وثبتوا للعباس ثبوت الابطال ولم تزحزحهم عن أماكنهم الرماح والنبال، أتى أبو مرداس إلى العباس وقال له: قد طال وقوفهم معنا في ميدان الحرب، وما كان للباطل ان يقف امام الحق هذا الزمن كله، ولعلك أضمرت سوء أو صدر منك ذنب عظيم كان عقابه لنا من الله ما تراه، فأظهر التوبة وارجع إلى ربك واستغفره لعل الله يؤيدنا بنصر من عنده ويبدل الحال، فكرر العباس عند ذلك الاستغفار وأظهر التوبة (ولا) معصوم من الذنب إلا الانبياء والملائكة).
ويقال ان أبا مرداس قال عند ذلك: ماذا فعل العباس، وما علمناه منه إلا الخير، ولكن الحرب عدمت رجالها، ثم امتطى ظهر جواده واندفع للميدان بسلاحه، ولم يمض بعد ذلك من الزمن الا قليل حتى انهزم خلف وتخرمت صفوفه، فنادى أبو مرداس في العسكر بعدم اتباعهم، فقال بعض أصحاب الرأي: لا نتركهم حتى نخرجهم من حيزنا، فسكت أبو مرداس واقتفوا أثرهم حتى تجاوزوا (لالت)، كما في السير وهو نهاية حكمهم اذ ذاك، والظاهر ان المراد بلالت هو الوادي الفاصل بين الزنتان من جهة (تغرمين) والرجبان من جهة فساطو المسمى الآن وادي الآخرة لصعوبته وعمقه ويسمى (متلالة) أيضاً بالاسم القديم، مع زيادة ميم وتاء في أوله على ما يؤخذ من كتاب السير وان عبر في بعض الاحيان بلالت على لالوت، وهي في طرف الجبل من ناحية الغرب، ولعل هذا الاسم كان يطلق على قريتين شرقية وغربية والله أعلم.
وكأن (مدينة تغرمين لم تدخل في الطاعة، ولم تحز الشهرة التي كانت لها في دولة بني رستم الا بعد هذا، ثم رجعوا وأقبلوا على العباس يهنئونه بانتصاره فقال لهم: انما يهنأ بهذا أبو مرداس وأبو الحسن اللذان لم يناما ليلهما يدعوان الله ويتضرعان اليه، وبذلك آتانا الله من فضله ما آتانا، فله الحمد الشكر.
227