الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠مع أهل الفضل والعلم، خصوصاً العلامة أبا مرداس، فقد ذكر الشماخي - رحمه الله ـ نقلاً من تاريخ نفوسة الكبير، الذي لا وجود له الآن، أنه
هو
قطعة
وجماعة معه فيهم ابو مرداس، جاوزوا في طريقهم وهم مشاة بموضع الماء، فتخطاه العباس وعجز عنه ابو مرداس، لانه قصير القامة وطاعن في السن، فوقف يحاول ذلك، ثم قال للعباس: لم أقدر على الوثوب مثلك، ولا أريد ان أخالف طريقاً سلكته، ولو صعدت مع حائط لسلكته لما لك علينا من حق الطاعة و الانقياد، فرجع العباس اليه وسلك طريقاً آخر سهلاً، واظهر لهم التوبة مما صدر منه أولاً،، من تغافله عما ورد من الامر بمراعاة الضعيف، والسير بسيره، فما ألطف هذه الآداب، وما أبلغ هذا الانقياد الى الحق منهما، ولا يظن القارئ أن هؤلاء الذين يقاتلهم أبو عبيدة في الاول، والعباس في الآخر، كانوا على مذاهب أخرى، بل كانوا كلهم من الاباضية، وشقوا عصا الطاعة وانتحلو الخلاف في مسائل طفيفة لا تخرجهم من الانتساب الى المذهب طلباً لاستقلال عن خلافة تيهرت، لما رأوه في أنفسهم من القوة والكثرة، اذ لم يكن الجبل وجهات طرابلس في ذلك الوقت على هذا الحال الموجود الآن من صغر القرى وقلة الناس، بل كان ن في الجبل وحده وفي ظاهره من قبائل نفوسة ومزاتة ما يتجاوز مائة الف فارس وعشرة آلاف فارس.، وكان فيه من الرجال مالا يحصى، و، وكانت هذه الفيافي الخالية الآن بجهات طرابلس والجبل، كلها عامرة بالقرى وأهل البوادي، كما تدل على ذلك آثارهم المؤيدة لصحة ما في التواريخ، وبعد أن علم الناس قيمة العدل وعرفوا فائدة الأمن، وذاقوا طعم السلامة والراحة انقطع الثائرون واستراح العباس وصفا الحال للامام، وانتظمت له الأمور فبسط العدل في الرعية، وسار فيهم سيرة مرضية، واستقامت له الاحوال، وساعدته الأقدار، فاقتفى سيرة أبوية، ولم ينقم عليه أحد في شيء من
230