الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٦١نفات وقال في الحال معرضاً بديوان جابر المتقدم ذكره وهو موجود بخزانة (مكتبة) الخليفة: (نعم الرجل في قبر سوء) ففطن الخليفة أيضاً لمراده واشتد به الحنق، وكاد يأمر بالفتك به، لولا ما صدر منه من الاذن في التكلم والعفو عن الخطأ، ثم قال له: اسأل حاجتك لنوافيك بها جزاء لعملك هذا، فقال له: ان حاجتي هي صدور أمرك بالاذن لي في نسخ ديوان جابر بن زيد الموجود في مكتبتك، فما توانى السلطان في اذنه بذلك، وقام نفات فرحاً بما ناله من الاقبال والفوز، وكان الحاضرون من وزراء السطان وخواصه فأدركهم من الجزع ما كدر راحتهم اذ رأوا السلطان مسايراً لنفات في أمر الديوان، فقالوا له بعد خروج نفات: كيف يصح لك يا أمير المؤمنين أن تأذن فينسخ الديوان؟ وهو معدود من مهمات خزانتك وغرائبها، حيث أنه لا يوجد في غيرها قط، وهذا مما لا نرضاه منك، فتنبه اذ ذاك وندم وقال: اني قد وعدته، ولا يمكن لي الرجوع في كلامي فانظروا لي وجهاً مناسباً لا يحط بشرفي، وأمنعه به من ذلك فقال له أحد الوزراء: اذا رجع اليك فاعلمه بأنك موف له بالوعد، الا أن مدة النسخ لا يمكن أن تتجاوز يوماً وليلة، فانه منك ذلك ترك الطلب، لأن هذا القدر من الزمن لا يغنيه شيئاً،
اذا سمع
فاستصوب السلطان هذا الرأي، وأرسل في الحال إلى نفات يعلمه بذلك. ففطن نفات لهذه المكيدة وأدرك أن المسألة دبرت على أثر خروجه من عند السلطان، فرضي بالشرط، وذهب فاشترى ما يكفيه بالتقريب مداداً وأقلاماً وورقاً، وصنع أحواضاً مجصصة بالجير مصففة على هيئة يتمكن بها من الكتابة كل ناسخ.
ثم أمر مناديه فنادى في المدينة بأن كل من يحضر إلى المحل الفلاني في يوم كذا ويكتب طول يومه فله دينار، وللذي يملي عليه نصف دينار، وغير خفي ما كان في ذلك العصر العامر بالأدب والعلم من الكتاب والقراء، فاجتمع له خلق لا يحصى وشرعوا في الكتابة إلى الليل وقبل انتهاء وقت
261