الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٨١بحيث لا يبقى له أثر ولا يوجد له خبر، ويعد مفقوداً لئلا ينشأ عن ذلك التعصب للأخذ بثأره من ذويه وأقاربه، وتذاكرا في الطريق الموصل الى ذلك على النعت المذكور ملياً ثم أمره بكتمان السر لاتمام الغرض، وافترقا وقد صعب عليه الحال صعوبة لا مزيد عليها، لما كان بينهما من الألفة وشدة العلاقة بالمصاهرة وصار يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، الى ان جزم بامضاء ذلك الرأي، وكان له متنزه يعرف بجنان الامير، طالما خلا فيه مع ابن عرفة لترويح النفس، ورياضة البدن والتنزه في الايام المناسبة، لما فيه من الأشجار الملتفة، والازهار المتنوعة والعيون السائلة والأنهار الجارية، وأنواع الطيور، فأرسل اليه واحداً من خدمه يدعوه الى الحضور اليه للذهاب الى المتنزه، كالعادة ويعلمه بأن لا يبيع بذلك لأحد، وأن لا يستصحب معه من الخدم والاتباع أحداً، وأنه سيفعل مثل ذلك، وأن يكون مجيئه ليلاً، حتى لا يتعلق به في طريقه أحد من الاصدقاء والخواص، الذين لا يمكنه منعهم من الحضور، فبادر ابن عرفة عندما أخبره الخادم بالخبر ملبياً ممتثلاً كل ذلك، وهو غافل عما قدر له في علم الله تعالى من الهلاك في ذلك اليوم، ذاهل من قبل عما دونه الحكماء المتقدمون، ورسخ الادباء والسياسيون في شأن مصاحبة الملوك والسلاطين تحذيراً من بطشهم وتنبيهاً الى تقلبات أحوالهم، فوجد الامام في انتظاره متهيئاً للخروج فركبا وخرجا ومعهما خادم للامام له علم بحقيقة الحال، وكان قد اتفق معه على الفتك به اذا بلغوا المتنزه، وساروا الى أن وصلوه، وأقاما يومهما ذلك فيه على بساط المؤانس ولسان حالهما يردد عبارات الوداع، الى ان دخل وقت المغرب فأسبغا الوضوء، وقاما الى الصلاة وبينما هما في اثنائها اذ هجم الخادم على ابن عرفة بحربة فصادفت ما بين كتفيه فخر الى الأرض ميتاً من ساعته، وكان على قرب المتنزه جبل فيه شق غائر في الأرض يعرف بالشفة الحمراء) فأمره بالقائه فيه فزمله في ثيابه وحمله الى أن ألقاه هناك، وأخفى فرسه ورجعا يكتنفهما ستر الليل
281