الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣دخل الليل قال ابو سابق فحططت عن الفرس وربطته على مدرة، وخرجت لآتي له بعلفه من عند حريف له فألفيته وقد اغلق حانوته، فملت الى بيت المال ففتحته وأخذت منه علف الفرس وأغلقت عليه، ثم رجعت الى موضعي من القصر، واذا بأبي اليقظان قد افتقدني مرة بعد أخرى، فلما رأيته صعد إليه خادم فأخبره بمجييء ء فقال له: اصعده الي وكان يستريح إلي ويسألني عن أخبار الناس فقال: وما حبسك وما أبطأ بك فأعلمته خبر الحريف وغيبته، وفتحي لبيت المال وأخذي العلف منه وتعليقي اياه الفرس فقال: آه يا أبا سابق، والله لا نام محمد ولا أكل ولا شرب، حتى تمضي وترد في بيت المال ما أخذت منه، قال: فمضيت والله في ليلتي تلك حتى أتيت حريفي وأخرجته من داره، وأخذت منه علف الفرس، ثم مضيت وانتزعت المخلاة عن الفرس فكلت ما بقي واتممت ما أخرجت من بيت المال ورددته فيه، وعلقت ما بقي على الفرس، ومضيت اليه فاصبته جالساً ينتظرني فقال: ما وراءك يا أبا سابق؟ فأعلمته بما صنعت فقال لي: أحسنت أما الآن فاجلس. فمات ابو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر ديناراً، وكانت لابي اليقظان في امارته وقائع صارت تاريخاً لموالد الناس (1 هـ)، بلفظه، هذا حاله وقد حكمها من تاهرت بالمغرب الى أرض سرت بالمشرق، فهكذا والله العدل، وهكذا الزهد والورع، وهكذا كان الخلفاء الراشدون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أهل الانصاف والفضل، فهو ورب البيت الجدير بأن ينشد في حقه البيتان اللذان رواهما ابن عباس رضي الله عنهما عن ابي بكر رضي الله عنه ونصهما:
اذا أردت شـ ريف الناس كلهم
فانظر الى ملك في زي مسكين
ذاك الذي حسنت في الناس سيرته
وكان يصلح للدنيا وللدين