الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية سليمان (باشا) بن عبد الله بن يحيى الباروني

الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٠٥

وكان عزم على أن يفرز مسائل الفروع، فيبين ما استخرج من الكتاب،

وما استنبط من السنة، وما كان من الاجماع فيد كلا الى اصله، قال العلامة أبو العباس: وصرف الى ذلك وجه العناية، حتى يكون تأليفه طرازاً لما صنف في علوم الشريعة، فعاجلته المنية - رحمه الله ـ، وذكر في السيرة أن أبا منصور خرج الى قوم بلغه انهم غصبوا عيراً لآخرين، ولما وصلهم ادعى كلا من الفريقين أن العيرة له، فاشتبه عليه الامر، اذ كان الخلاف بينهم شديداً، ولا شاهد عليهم غير الله، فارسل الى عمروس بالمسارعة اليه، ولما أتاه قبض على المتاع، وصار يسأل كلا من الفريقين على حدة، عما اشتمل عليه من الاصناف، وعما في الأجربة من الزاد وغيره، حتى اتضح لديه أصحاب العير، وعرف المتعدين لعجزهم عن بيان ما خفي عنهم من المتاع، اذ لم يطلعوا عليه، فقال لأبي منصور: هؤلاء (يعني غير الغاصبين) أصحاب الرفقة، وهؤلاء (يعني الغاصبين) أضيافك كني بذلك عن حبسهم وتأديبهم، فجرى أبو منصور الأمر على حسب ما حكم به عمروس، ويذكر عنه أنه توجه الى مكة لاداء فريضة الحج، فدخل هو ومن معه على العلامة محمد بن محبوب، عالم أباضية الشرق في عصره، وهو في مجلسه، فسلموا فرد عليهم السلام، وأدنى مجالسهم تعظيماً، واكرمهم، ثم فتحوا باب المباحثة في العلوم، فسأله عمروس عن مسألة من مكنونات العلم، فتعجب أبن محبوب وقال: ان كان أبو حفص (يعني عمروساً) في شيء من هذا البلد، فهذا السؤال منه، فأخبره الحاضرون بالحقيقة، فزاد في تعظيمه ورفع مقامه، وصار عمروس يسأله في مسائل الدماء، حتى قال له هذا من مكنون العلم، فلا يعلن به امام كل أحد.

وكان عمروس أوصى الذين معه، وقال لهم: احفظوا لي السؤال، وعلي حفظ الجواب، ولما قضوا مناسكهم وعادوا إلى الجبل، جمعهم وقال: هاتوا

305