الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية سليمان (باشا) بن عبد الله بن يحيى الباروني

الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٥٧

من

رستم وعدلهم فيها، اشتاقت نفسي إلى زيارة اطلالها والوقوف على ما بقي آثارها، اعتباراً بمن مضى، وتزودا من بركات من وطؤا ثراها، وعمروا بذكر الله سهلها ورباها، فاستاذنت الامام في السفر وبعد مماطلة وتسويف طويل، أنعم بالاذن وشيعني مسافة أخجل من بيانها لعلو مقامه وصغر مقامي.، وان علم بها الخاص والعام، ولقبني بما لا أتحمل حمله، مما لم يجد به لغيري، وزودني من دعائه الصالح، وتوجهاته القلبية، ما لم ازل استمد منه الرشد والتوفيق، ولا أضام. معه بأذن الله مادمت حيا، فقصدت الجزائر، ومنها عطفت إلى (تيارت)، وهي (تيهرت) القديمة، عدد لا أنسى ذكرهم، ولا أقدر فضلهم، على متن وابور السكة الحديدية، فاخترق بنا جبالاً وقطع أودية، وهو يزأر كالأسد كلما دخل غارا، أو تجاوز قنطرة، وكأنه يدرك ببصيرة نقاده، ويبصر بأبصار وقادة، أو يهتدي بالدليل، فيقتحم المفاوز بالليل، إلى ان وصلنا (تيارت)، ونزلنا عند صديق لنا من افاضل تجار بني ميزاب فأكرم نزلنا، ثم سار معنا على ظهر البابور إلى

(تيهرت).

، يصحبني من

الأصدقاء

فنزلناها، وذا هي لم يبق منها الا آثار ورسوم وأنقاض متراكمة، يجمعها الفلاحون ليحرثو أماكنها، وبقي من سورها شيء قليل في ناحية يدل على منعته وقوته، وزرنا الغار الموجود فيها بالقرب من الشجرتين اللتين يقال انهما من وقت عمرانها، والمشهور عن الغار أنه معبد لبعض زهاد ذلك الوقت، ويعترف له الاعراب المجاورون لها ببعض كرامات منها: ما أخبرني به بعضهم من أن نصرانياً كان في السنين القريبة يرعى خنزيراً له، ويأوى اليه في بعض الاوقات للمبيت أو المقيل فيه، ولما سمع بنو ميزاب التجار (بتيارت)، أو غيرها نهوه عن ذلك مراراً، وحذروه فلم ينته، ثم أصبح في بعض الايام وهو فيه أعمى، وخنزيره هباء بجنبه، فاعتبر وندم حيث لا عادة بني ميزاب زيارتها في كل سنة مراراً، والتصدق فيها ينفعه الندم، ومن

357