الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية سليمان (باشا) بن عبد الله بن يحيى الباروني

الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

وقراءة القرآن، فكان يبعث اليهم يسألهم أن يقبلوا منه صدقته مع صدقاتهم، رجاء أن يرد الله عليه بصره فلا يقبلون منه، فأتى مرة بنفسه وذبح وتصدق، وذهب وقد سألت عنه لما سمعت الحكاية لأجتمع به وأخذ منه حقيقتها مشافهة، فلم يتيسر ذلك لموانع، أهمها استعجالي ولعملاء الأفرنج من الفرنساويين وغيرهم حقيقة علم، بأحوال هذه المدينة وأخبارها، وما كانت عليه من العمران، فهم يقصدونها في سياحتهم، وقد وجدنا هناك فرنساوياً فلاحاً لا يعرف من العربية إلا يسيراً ولما رأنا بفم الغار جاءنا فقال بكلام لا يفهم الا بالقوة، ان لبني ميزاب هاهنا في الزمن الأول خمسة ملوك أقوياء، وأشار بأصابع يده، ومن وسطها الان تمر السكة الحديدية، وطريق الكروسة إلى (تيارت) وغيرها، وبالقرب من العين المسماة إلى الآن بعين السلطان بنيت المحطة، وعلى العين شرع الفرنساويون في العمارة، ولا يمضي زمن حتى يقال: عاد إلى (تيهرت) شبابها القديم، نزلها تجار الاباضية أربابها القدماء وغيرهم، من بني ميزاب، وما ذلك على الله بعزيز، وفي جانب منها هنشير عظيم، ذو أنقاض كثيرة، يعرف الآن بدار السلطان، ولعله بقية من دار الامارة الاولى، والله أعلم.

وبعد أن قرأنا ما تيسر من كلام الله العظيم، وتصدقنا على الحاضرين بما استصحبناه معنا لأجل ذلك من (تيارت)، انفردت إلى أعلى جهة منها، أكيف هيئاتها، وأرمي بنظري إلى أرجائها، وأنا أردد قول الشاعر القائل:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر

إلى أن لاحت لي قطعة السور الباقية منه، فانتقلت إليها فاذا بها زاوية من زواياه محكمة البناء، متينة الأساس، كأنها بقية برج، فاسترحت في ظلها بجنب عود من تين، أو خروع عتيق، فيما أظن برهة من الزمن أجول

358