الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦(الأولى) من قال من الدهرية (1): إن الله لا يعلم نفسه لان العلم
نسبة والنسبة لا تكون إلا بين اثنين متغايرين هما طرفاها بالضرورة، ونسبة الشيء الى نفسه محال اذ لا تغاير هناك، والجواب منع كون الشيء لا ينسب الى نفسه نسبة علمية فان التغاير الاعتباري كاف لنحو هذه النسبة، وكيف لا يكون كذلك واحدنا يعلم نفسه مع عدم التغاير بالذات (فان قلت) من أي ثبت ذلك التغاير الاعتباري المصحح للنسبة؟ (قلت) من حيث أن ذات الشيء باعتبار صلوحيتها للعالمية في الجملة، وبعد القدر من التغاير يكفينا.
من
(الثانية) قال قدماء الفلاسفة انه لا يعلم شيئا أصلا والا علم من نفسه وهو باطل كما تبين في دليل الفرقة الأولى (والجواب) ما مرّ في ابطال دليل كونه غير عالم بنفسه.
(الثالثة) من قال أنه تعالى لا يعلم غيره مع كونه عالما بذاته وذلك لان العلم بالشيء غير العلم بغيره، وإلا فمن علم شيئا علم جميع الاشياء
عن
(1) الماهرية: نسبة الى الذين جحدوا بالله، وزعموا أن العالم وجد بدون الله عز وجل تعالى الله ذلك قال الله تعالى حاكياً قولتهم، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، سورة الجاثية آية رقم 24 عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه قال: قال رسول الله - - يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم: 1 يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره، وفي رواية لا تسبوا الدهر فإن الله
هو الدهر ..
ولقد كان مشركو العرب ينكرون المعاد وتقوله الفلاسفة والالهيون منهم وهم ينكرون البداءة والرجعة وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون المصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين سنة يعود كل شيء الى ما كان عليه وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول وكدبوا المنقول. ولهذا قالوا: وما يهلكنا إلا الدهر، قال الله تعالى، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون.
356