مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٩

الشرك مخلدون في النار. وأهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى

=

كأنما اغشيت وجوههم

قطعاً

النار هم فيها خالدون، أي رد اصرح من هذا الرد وأي تقريع ابلغ من هذا التقريع على تمني ما لم يجعل الله سبيلاً اليه ولكن رغبات النفوس وأمانيها الباطلة لا يكاد يقف في سبيلها شيء ما لم تسيطر على صاحبها عقيدة مكينة في قلبه مهيمنة على احاسيسه فكم من عالم فتح لنفسه باب التأويل في الآية فادعى ان المراد بالسيئة الشرك او ان المراد بالخلود طول المكث جاهلاً او متجاهلاً ان الآية جاءت مجتثة لمطامع اليهود في تحديد مدة مسيس النار مقررة المصير الذي ينتظر كل من ارتكب سيئة ولم يتب منها قبل فوات الفرصة ولا عبرة بخصوص سببها مع عموم لفظها وستسمع ان شاء الله ما قاله فيها بعض من طلب الحقيقة فادركها من محققي المتأخرين هذا واذا نظرت الى تقسيم القرآن مصائر البشر يوم الدين تعثر في هذا التقسيم الا على مصيرين مصير الى الجنة ومصير الى النار وكلا المصيرين خالد وان شئت معرفة اصحاب كل منهما فاسمع الى قول العزيز الحكيم في سورة يونس ه للذين احسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قترة ولا ذلة اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم من الليل مظلماً اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، فان الآية الكريمة واضحة كل الوضوح في ان أهل الجنة وهم اصحاب المصير السعيد ــ لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة وهؤلاء هم الذين احسنوا فاستحقوا الحسنى وزيادة ومما لا يمكن بحال ان يصلى احد النار ولو فترة قصيرة وهو لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة فأي ذلة افظع ذلة العذاب وكيف لا يرهق القتر وجه من يتقلب في الجحيم وبعد حصر اصحاب السعادة في هذا الصنف اتبع بيان اصحاب المصير الآخر مصير الشقاء والويل واوضح انهم كسبوا السيئات ولم يقيد هذه السيئات بل اطلقها وبين سبحانه جزاءهم المحتوم وانهم لا ينفكون هذا الجزاء بل هم فيه خالدون، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم قطعاً من الليل مظلماً اولئك اصحاب ذلة ما لهم من النار هم فيها خالدون، أي اشكال بعد هذا الايضاح وأي غموض بعد هذا البيان وهل بعد هذا كله مساغ للدعوى بأن ثم فريقاً ثالثاً يشارك كلا الفريقين في مصيريهما ويأخذ حظه من جزاء كل منهما فيصلى اولاً النار ثم ينقلب الى النعيم المقيم وبالجملة فان الآيات القرآنية ليس فيها ما يشير ولو من بعيد الى الخروج من النار وانما جاء كثير منها في الخلود لمطلق أهل الكبائر وقد ادرك هذه الحقيقة التي لا غبار عليها جماعة من أهل التحقيق من المتأخرين يحضرني منهم الإمامان الكبيران محمد عبده ومحمد رشيد رضا وذلك صريح في غير موضع كلاهما في تفسيرهما القيم (المنار) ومن ذلك ما قالا في تفسير قول الله تعالى: بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون، فقد قال الامام للسيئة هنا اطلاقها وخصها مفسرنا الجلال وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى: واحاطت به خطيئته و معني فان الشرك اكبر السيئات وهو يستحق =

من

عن

من

الله

من عاصم

كأنما اغشيت وجوههم

-

-

139

٥٩٦ / ٩٢٧