9. أيها العبد الصالح
الجزء ١ · صفحة ٣٣32
وبقاؤكُمْ في تعليم الجهلة على اختيار الآباء لأبنائهم مُضِرٌّ جِدًّا بالأُمَّة، لا يَتَقَدَّمُ بها شِبْرًا عن مركزها في الجمود، ولو تُرِكَتِ الأُمَمُ الراقية على جمودها في الظُّلْمَة والجهل، ولَمْ يَزَعْهَا وَازِعُ قَسْرِيٌّ مِنْ جهة الحكومات؛ لَمَا بَلَغَتْ مَبْلَغَها من التقدم في العلوم العصرية. وأحَقُّ ما يكون بالإيزاع والقَسْرِ هي العلوم الإسلامية، التي تَخْرُجُ بها الأُمَّةُ. الظلمة إلى النور، ومِنَ الرَّذَالة والنقص إلى الفضيلة والكمال.
فاجْهَدْ جَهْدَك - مَوْلايَ - في هذه الخُطَّة، واجْمَعْ خِيَارَ المسلمين وعلماءَهُم وزُعَمَاءَ القُرى والبلاد، وأَلْزِمْهُمْ بالنَّهْضَةِ العِلْمِيَّة، وأَقِمْ لَهُمُ الخطباء في الجمع والمَحَافِلِ والمجتمعاتِ يَحُثُونَهُمْ على هذه النهضة (63)، ويُبَصَّرُونَهُمْ بِسُوءِ المَغَبَّة في البقاء على هذه الحالة الراهنة، وبحسن العاقبة والتقدم إذا تَنَوَّرَت الأُمَّةُ بالمعارف الدينية والعلوم الاسلامية.
ور دو
ويَكْشِفُون لهم عن وَجْهِ رَدَاءَةِ الجهل، وأنه هو الداء الوحيد والسَّبَبُ الأصيل للتوحش والشرارة والتقاطع والعداوات والضغائن، إلى غير ذلك مما تقع فيه الأُمَمُ الجاهلة، من الشرور والسقوط ومَوْتِ الأُمَمِ موتًا أدَبِيًّا ودِينيًّا، وذلك ما لا يختلف فيه اثنانِ، ومُشَاهَدُ بالعِيَان. ولْتَعْلَمْ - سَيِّدَنا - أنَّ هذه النَّهْضَةَ لا تَتَمَكَّنُ من التَّشَكُل شَكلاً
حِسّيًّا إلا بالصَّرَامَةِ السَّامَّةِ مِنْكَ، إِذْ مَرْجِعُ الأَمْرِ إِلَيْكَ.
) في ثنايا هذه الفقرة فكرة أخرى من الأفكار التَّنَوُّرِيَّة عند أبي مسلم، هي توجيه الخطب واستغلال
المنابر لبت الدعايات إلى ما فيه صلاح الرعية.