38. شيخ التراث العماني سالم بن حمد الحارثي
الجزء ١ · صفحة ٧دارت الأيام، وصرنا نسمع القرآن عبر الأشرطة السمعية، وأقراص
الكمبيوتر، وأثير الإذاعة والتلفاز، ونقرؤه من صفحات فاخرة مذهبة، تتزين بها مكاتبنا ومجالسنا، أمّا الكُتُب فالحصول عليها كالحصول على الماء، وربّما وَجَدَ طالب العلم مُرادَه منها بِنَقْرَةٍ واحدة على الإنترنت، بل ربّما اضطجع على سريره ووضع رأسه على وسادته الناعمة ليُقَلَّبَ عشرات الكتب المحفوظة في هاتفه!
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّيْخِ سَالِمِ بنِ حَمَدٍ الحَارِثي عصر يُسَمَّى عصر النَّسْخ، كان فيه ناسخُ الكتب يُحضّرُ الدَّواةَ والمداد والأقلام، ويجلس ليلًا على ضوء السراج القديم، يكتب العلم المفيد النافع. إنّها مَشَاهِدُ حَيّةً من أيام الماضي، تتخللها نفحات عطرة من عبق التاريخ، تربطه بتراث الأجداد قلبا وقالبا، وتجعله يعيش لحظاتٍ عاش الأوّلون مثلها، فكأنما هو حلقةً في سلسلة واحدة، تَسْلُكُ الدرب نفسه، وتقتفي الخطى ذاتها.
لقد أدرك الشيخ ذلك وعايشه عن قرب، وجلس على كرسي النَّسْخ الذي جلس عليه مَنْ سبقه واستشعر جلالة التراث وعظمته ومكانته، والجهد الذي بَذَلَهُ الآباء ليصل إلى الأبناء. وَجَدْتُه مرّةً ينسخ كتابا مطبوعًا، فرأى عَلَيَّ علاماتِ الاستغراب بادِيَةً. فقال: هكذا تعلمتُ أن أعرف قيمته. قلتُ: وَلَّى زمان النسخ. قال: عِنْدَكُم، أما أنا فلا يقطعني عنه إلا أن