تحكيم الحكمين أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تحكيم الحكمين لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٧

أولها: أن الله سمى المبعوثين حكمين، والتحكيم يقتضي تفويض المحكم وإسلاس القياد له والرضى بقراره ونفاذ قوله بين المتخاصمين وهو مما ألفته الأمم ومن بينها العرب قبل أن يكرمهم الله بالإسلام ويقضي على خصوماتهم بحكم القرآن إذ لم تكن لهم محاكم منصوبة لفض نزاعاتهم ولكنهم – مع ما عرف عنهم من الاحتكام في خصوماتهم إلى سيوفهم – كانوا ينزعون أحيانا منزع العقل ويفكرون في العواقب فيجعلون أمرهم إلى عقلائهم الذين عرفوا بسداد الرأي وتوقد البصيرة والتوسط بين الأطراف في دفع الخصومات ولا يجدون غضاضة في النزول إلى حكمهم والتزام ما يفرضونه عليهم ولو كان على غير هواهم وهو مما تأصل في عاداتهم وسجله التاريخ عن أقدميهم حتى كانوا يوصون بذلك أبناءهم فيما لو وقع بينهم نزاع، وقد يعينون لهم من يحتكمون إليه من بعدهم كما أوصى نزار بن معد ابن عدنان أبناءه الأربعة – وهم ربيعة ومضر وإياد وأنمار – إن اختلفوا بعده أن يحتكموا إلى ملك نجران الأفعى الجرهمي وقد فعلوا ذلك، واحتكم عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة إلى هرم بن سنان العبسي، وعندما تشاجرت بطون قريش في رفع الحجر الأسود إلى محله عندما جددوا بناء الكعبة المشرفة فكادت سيوفهم تنتضى ودماؤهم تسيل في البلد الحرام تراجعوا فاتفقوا على تحكيم أول داخل من باب بني شيبة فكان النبي - صلى الله عليه وسلم – هو الذي ساقه القدر الإلهي لرأب صدعهم وصون دمائهم وأرواحهم بقراره العادل الأمين الذي انقادوا له جميعا.

٧ / ١٥