الدلائل على اللوازم والوسائل درويش بن جمعة بن عمر المحروقي

الدلائل على اللوازم والوسائل

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

الدلائل على اللوازم والوسائل

124

ولعل في علم الله السابقِ أَنْ هَذا الفقير لو نال الغنى لطفى وبغى، وكان في علم الله أَنْ

الفقر خَيْرٌ لَه مِن الغِنَى. ولعل هذا الغني لو كان فقيرا لحزن واهتم، واشتغل حتَّى عنِ الدِّين، فَعَلِمَ اللهُ أنَّ هذا لا يَحمِلُ الفَقرَ فَأَغْنَاهُ؛ وهذا لا يَحمِلُ الغِنَى مِن قُوَّة نفسه، وَقَسَاوَةِ قَلبه فاختارَ لَهُ الفَقرَ لصلاح عِلمه، أيكون اختيار العبد خيرًا من اختيار الله تعالى؟! حاشا الله!!.

ولَو رَدَّ اللهُ - تعالى - تدبير الخلق إليهم، وجعَلَ ذلِك عَلَى نَظَرِهِم لَضَاعُوا وَجَاعُوا .. فلا ينبغي للعبد أن يَعِيبَ تدبير الله له؛ فإِنَّهُ لا يُحسِنُ التَّدبير أبدا، إِنَّما هَمَّتُه فِي بطنه، وفرجه، وملبوسه، ومركوبه .. فإذا سبق أهل زمانه بمثل هَذَا ظَنَّ أَنَّهُ هُوَ السَّابِقُ، ومالَهُ مِن

الله

لاحق، وهيهات هيهات .. إِنَّمَا السَّابِقُ مَن أطاعَ اللَّهَ فِي سِرِّهِ وَعَلانِيَّتِهِ، وقَام بِأَوامِرٍ تعالى في سَقَمِه بِما قَدَر فِي عَافِيتِه، وانتَهَى عَمَّا نَهى اللهُ عنهُ مِن جَمِيعِ مَعصِيَته، وقَنع مِن الدُّنيا بِقُوتٍ حلال إِلَى آخِرِ مُدَّتِه، وقام فِي الْخَلقِ ناصِحًا لِعِبَادِ اللَّهِ لِيَسِيرُوا إِلَى اللَّهِ بِمِثل سيرته، ولَم يَلْتَفِت إِلَى جَمع الْمَال، ورفع البنيانِ، لِشُغلِهِ بِحلُول مَنِيَّتِه .. فكم مِن بَانِ لِلقُصُور، وجامع للمال، يَتمَنَّى بُلُوغَ الْمُرَادِ، فَحالَ الْحِمَامُ) دُون أُمنِيَّتِه .. فسلّمْ أُمُورَك إلى الله وتوكل عليهِ؛ فإن لم يتهيَّأ لك الجمع، ولم تصل إِلَى مَا تُرِيدُهُ مِن

إذا

الطَّمَع، فَاشكُرِ الله تعالَى إِذ اختَارَ لَك مَا هُو أَخفُ لَك فِي الدُّنيا والآخِرةِ، فَفي الدُّنيا كُنت فقيرا كنت أقل شُغلاً، وأخفَّ هَما وندما وحُزنًا .. إذ صاحبُ الْمَالِ كَثيرُ الاشتغال بالْجَمع أَوَّلاً، وبالبذل آخِرًا، ومَسئُولٌ عَمَّا جَمَعَهُ يَومَ القِيامَةِ .. مِن أَينَ جَمَعَتَهُ؟ وفيم أنفقته؟!! .. وبين ذلك من الْحِساب، والحفظ للمال، والخوف والشغل بِهِ فِي البَرِّ والبَحرِ،

وليس للجَامِع إلا القُوت .. فَإذا أعطاك اللهُ القُوتَ، فَمَا حَاجِتُكَ فِي جَمِعِ الْمَالِ؟!.

1) الْحِمامُ: قضاء الموت.