الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ١٢٥الفقر
الدلائل على اللوازم والوسائل
وربَّما كان قُوتُ الفقير أَرفَهُ مِن قُوتِ بَعض الأغنياءِ، فَمِن أَينَ تُؤدِّي الشُّكَرَ لِمَزِلة
فكيف بالغنّى؟!!، وقد قيل: «إنّ الفُقراءَ الصَّالِحينَ يَدخُلُونَ الْجِنَّةَ قَبل الأغنياء بِسنِين طِوالٍ»، فَما يَقُومُ هَذَا الفناء لصاحبِه بِغَينِ ذَلِكَ الوقت!!؟.
وإن يسر الله لك جَمعَ الْمَالِ، ولحقت مِنه مُرادَكَ .. وهَيْهات! فَلَا تَعْفَل عَن شُكرِ الله ال إذ أعطاك هَذَا الْمَالَ وأَغناكَ مِن الرِّجال، وعافاك فِي الْحالِ، وَجعلَ بَعض النَّاسِ إليكَ مُحتاجين يسألُونَكَ القَليلَ مِمَّا أعطاك اللهُ، وَلِفَضلِكَ رَاحِين .. فَفَكِّر وانظر كيف لو أغناهم عنك، وأحوجَكَ إليهم، أما كان عدلاً مِنْهُ تعالى؟! فَمِن أَين تُودِّي
شكر هذا؟!.
فإذا عرفت هذا فَالْزَم الشكرَ لَيلاً ونهارًا لمن أعطاك، وَخَفْ مِنْهُ إِن قَصَّرْتَ ذَهَابَ ما حولك به وحبَاكَ، وأدَّ لَه ما أمرك به تامَّا إِن لَم تَسمحْ نَفْسُكَ بِالْمَزِيدِ، فَإِنَّما أَنت أَمِينٌ مُستَخلَفٌ فِيهِ، فَأَنفِق مِنهُ ما دَام فِي يَدكَ قَبل أَن يَنتَقِلَ فِي يَد غَيرِكَ .. فإن سمحت فالأحسنُ لك لو بذلت الْمَالَ كُلَّهُ فِي حُبِّ الله، لكُنتَ رَقَيتَ الْمَرْلَةَ والدرجة العليا، وكيف لك أن تقوم بعشر شُكر هذه الْحَالَةِ الْجَيِّدة .. أَنشُحُ بِبَدَلِ ما أَعطاكَ اللَّهُ إِيَّاهُ، ووعدَكَ بِالْخُلف مِنهُ فِي الدُّنيا، وهو لا يُخلِفُ الْمِيعَادَ ..
ولو صح يَقينُك لأَنفَقتَ، وَما بَخِلت لأجل هذا الوعد .. ثُمَّ وَعدَكَ فِي الآخِرة بالواحدة سَبعمائة، وهذا مِمَّا لا شَكٍّ فِيهِ لِقول الله تعالَى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخلِفهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ كي (1)، وكذلك قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
(1)
(2)
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة) (2) فَمِن أين يحصل
مثل هذا الربح في الدنيا؟!!
1) سورة سبأ: 39.
(2) سورة البقرة: 261.