الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ١٩٧الدلائل على اللوازم والوسائل
واللهُ تَعَالَى لَا يَضُرُّه شَيْءٌ مِن كُفْرِك ومَعصِيَتِك، وَلَا يَضِرُّ رَسُولَهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا الْمُسْلِمِينَ،
بل الضَّرَرُ عَلَيكَ، وقد قالَ اللهُ تعالى: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكَفَرَ وَإِن تَشْكُرُ وا يَرْضَهُ لَكُمْ الله). فأَيُّ الأَمْرَين خَيْرٌ لَك أَن تَتَّبِعَ أَوامر الله لتفُوزَ بِثوَابِه، أو تَرتَكِبَ مَناهِيهِ لِتَنشب (2) فِي
(2)
عَذَابه، بحلولك فِي جُرُفِ الْهَلَاكِ الذِي أُعِدَّ لِلعَاصِي. وَثَواب الله تعالى لا يُكيَّفُ وَلا يُمثْلُ، وَلا تُدرَكُ صِفته، وَمَا ذَلِكَ عَلَى قَدرِ عَمَلِك، فَمَن أَنتَ، وَأَينَ عَملُك يَا مِسكين؟ فهل تقوم بشكر بعض نعمه في هذه الدُّنْيَا؟ كيف بِمُهورٍ حُور العين، وقُصور الذهب والفِضَّة، وتُرابِ الْمِسكِ وتِلكَ الأَنْهَار والبساتين، في دَارٍ لا سقَمَ فِيها وَلاَ مَوت وَلا كَبَر، وَلا نَومَ، وَلاَ بَولَ وَلا غَائِطِ، وَلَا همَّ وَلَا شُغلَ إِلا بِذِكرِ رَبِّ العَالَمِين .. فكَيفَ يَبلُغ هذَا عَمِلُ عَبْدٍ خُلِقَ مِن تُرَابٍ، وَمِن مَاءٍ مَهِينٍ؟ فأَنتَ لَو أَخَّرتَ نفسكَ فِي خِدمَةِ السَّلاطين، وخَدَمَتَهُم لَيلاً وَنَهَارًا لَمْ تُدْرِكَ مِنهُم أَكثر من قوت في بطنك، وكِساءٍ نَخِين؛ فَلا تَظنَّ أَنْ عَمَلَك تَستَحِقُّ به هذا الثواب والإكرام، بل هو فضل مِنَ اللهِ عَلَى قَدْرِ كَرَمِهِ وسعَة رَحْمَتِه، وعِظم قدرته، إذ هو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهُو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَغَنِيٌّ كَرِيمٌ، وَعَفُوٌّ رَحِيمٌ. فثوابه على كرمه لا علَى قَدرِ عَمَلِكَ، فَلا تَعُدَّ عَمَلَكَ شَيْئًا، بَل حَسْبُكَ مِن العَمَل اجتِنَابُ الْمَعَاصِي أَجْمَع .. وكَذلِك عِقابه، لَيسَ كَعِقاب الآدَمِيِّينَ؛ لأَن ثَوابَهُ لَا يُشبهه ثواب، وعِقابه لا يُشبهه عِقاب.
الله
فَالعُقوبَة عَلى قَدرِ عِظَم مَن عَصَيْتَه، لا عَلَى قَدرِ الْمَعْصِية؛ لأَنَّكَ تَجرَّاتَ عَلَى مَعصِيَةِ خلَقَ السَّمواتِ والأرض بما فيهما، وخلقك ورَزَقكَ، وأَنذَركَ وحَذْرَك، وبَصَّرَك
الذي
وأراك الآياتِ لَو تَدَبَّرت، فَلَم يَردَعكَ شَيْءٌ!!؟.
(3) سورة الزمر: 7.
(2) کشب: وقع موقعا لا مخلص منه.