الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ٢١٢الدلائل على اللوازم والوسائل
211
أرأيت لو حَضَرَك أَحدٌ من إخوانك، وأفاضل أهلِ زَمانِك لا يُفارِقُك أبدًا، أكُنتَ تَنجَاسَرُ بِحُضوره أن تُجَامِع أهلك، أو تَأخُذ ما لا يَحلُّ لَك، أو تنطق بما لا يجوز، أو تبول أو تتغوط، أو تنام كثيرا، أو تَأكُل حَرَامًا؟! أَما كُنتَ تَستَحِي وتَنتَهِي؟؟ فَمَلائِكَةُ اللهِ و أَمَناؤُه الرقباء عَليكَ، أَحقُّ أَن تَستَحِي مِنهُم، وتَقِف عَنِ الْحَرَامِ لَا الحلال، وعَن الكَذِب وأَشبَاهِه لا الصدق.
لَكِنَّهُم لَمَّا لَا تَرَاهُم بِعَينك نَسِيتَهُم، حَتَّى كَان لَم يَكُن عَلَيكَ رَقِيبٌ، وهَذَا مِمَّا لَا شَكٍّ فيه وَلا رَيبَ، وقد أخبر الله تَعَالَى بِهِ، وَلَا يُمكِن إِلَّا الْحَذَر.
ثُمَّ عَليكَ رُقَبَاءُ مِن نَفسك، وهم: لسانك، ويَدَاكَ، ورجلاكَ، أَما تَأْخُذُ حَذَرَكَ مِن نفسك؟ وتقف عَن جَمِيعِ مَا لَا يَجُوز لك؟ أَرَأَيت – مثلاً - لَو صَاحَبَتَ إِنسَانًا أو أكثر فِي طَرِيقِ، وَكَان ذَلِكَ الإِنسَان لَهُ يَد عِندَ ملك زمانك! أما كُنتَ تَقِفُ عَن أَن تَتَكلَّمَ، أَو تَفعَل مَا نَهَى عَنْهُ ذَلِكَ الْمَلِكُ، حَوفًا مِن ذلك الصَّاحِب أَن يُخير الْمَلِكَ بِفِعلِك وَ قَولِك؟!. فكَيف لَو عَلِم بِك الْمَلكُ حَيْثُمَا كُنتَ، وأين كُنت، وكيف كُنتَ، فَإِنَّهُ لا يُفارقك طَرفةَ عَيْنٍ، فَرُبَّما يَعْفَل أَمْناؤُه عَن شَيْءٍ – وَحَاشَاهُم - وعِلمُه فِيك قبل أن يَخلُقَك، وبعد مَا خَلَقَك، وبعد موتك .. لا يُمكن أن يَغِيب عَنهُ شَيْءٌ مِن قَولِك وفعلك ونَفَسك طَرفَة عَين، لا أَقلّ وَلا أَكثَر، فضلاً عَن أُمنائه الرقباء عَليكَ، وإِنَّما هُم زِيادَةُ حُجَّةٍ عَليكَ لِذلِك؛ لأَنَّهُ يَراهُم وَلَا تَراهُم، وهُو لَا تَرَاهُ أبدًا، إلا أن علمه بِك وفِيكَ لا يَغِيبٍ عَنْهُ شَيْءٌ أبدًا.
وأما الأمناء: فَجوارِحُك عِندَك لا تُفارِقُك. وأمَّا الْمَلَائِكَةُ الكِرامُ: فَهُم رُقباءُ عَليكَ
يَعْفُلُونَ عَنكَ سَاعَةٌ، وَلا يَنسَونَ، وفِي القِيامَةِ سَتَرَاهُم إِن شَاء اللَّهُ تَعَالَى. وقد يُوجد أَنْ الْمَلائِكَةَ ربَّما يَجدُّون فى صحيفةِ العَبدِ مَا لَم يَعلَمُوا به مِثل نَيَّتِهِ الصَّالِحَة
مِمَّا عَلِمهُ اللهُ، ولَم يَعلَمُوه هُم، وربَّما مُحِيَ شيءٌ مِن الكِتَابِ مِن حَيثُ لَا يَعْلَمُون.