الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ٢١٩الدلائل على اللوازم والوسائل
الظنون بأن تنَّهم أَنْ ذَلِكَ جَاءَك من حاضر أو غائب، وَلا تَقُل هذا من سحر فلان، أو حَسد مِن عَدوّ مُحَانب .. فَالْخَلقُ جَمِيعًا عَاجِرُون لا يَقدِرُون لَك عَلى نَفعِ وَلَا ضَر، لا فِي الدُّنيا وَلا فِي العواقب، إلا مَا شَاءَ لَك الله، وساقه إليكَ ابتلاء وامتحانا، أو ثوابا، أو عقابا من معاقب.
فكم تَرى مِن مَحسُودٍ بِما أُعطِيَ فِي الدُّنْيَا مِن الْمَواهِ، ثُمَّ لَم يَلْحَقَهُ بَأْسٌ إلى آخِرِ عُمُرِهِ، ولَم يُصِبَهُ صَائبٌ.
فَسلّم أُمورَك جَمِيعًا إلى الله، وَلا تَشكُ ولا تُعاتب؛ لأن كُلِّ مَا فِي يَدِك عَارِيَةٌ مِن اللَّه مَردُودَةٌ، لَم تَكُن لَك مِن قَبلُ، ولَن تَبقَى لكَ مِن بَعدُ، فَلا تجزع،
واتَّقِ اللهَ ورَاقِب .. أمَا تَعلَم أَنَّكَ كُنتَ عَدَما، وسَتصِيرُ عَدمًا فِي السَّباسب (1)؟ وأمَّا الَّذي يُصيبك في مَالِك وأهلك وبدنك، فَاعلَم أَنَّهُ أَصابَكَ بِعِلمِ اللهِ إِمَّا عُقوبَة لَك بِذَنبٍ سَلفَ مِنكَ، فَهَنِيئًا لَك إن كان كذلك؛ لأنَّ السَّعِيدَ مَن عُوقِب بِذَنبِه فِي الدُّنْيَا، لَفَلا يُعاقَبَ فِي الآخِرَةِ. وَإِمَّا أَن يَكُونَ ثَوابًا فَنِعْمَ ذلك؛ لأن حَسَنَةٌ مَقبُولَة خَيْرٌ مِن الدُّنيا وما فيها، وثَوَابُ الْمُصِيبَةِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وأَمَّا مَوتُ الأَولادِ قَبلَ البلوغ، فَتِلكَ آجَالُهُم، فقد سبق بذلك علمُ اللهِ، وهو الذي أعطَاكَ إِيَّاهُم أَتشكُوهُ إِذا نَقَلَهُم مِن مَكانٍ إِلَى مَكانٍ أفضل منه بين حورٍ وولدَانِ؟ أَمَا ذَلكَ خَيْرٌ لَهُم مِن الدُّنيا، وأنتَ لَكَ الأَجرُ بِمُصيبَةِ مَوتِهم .. فَيا لَها مِن مِنْةٍ مَا أَعظَمها!!. كيف يأجرك اللهُ عَلى مَا اسْتَرَدَّهُ مِنكَ مِن العَارية؟! أما هَذِهِ
غاية الإكرام؟! ..
(1) السباسب: جمع سَبسَب، وهي المَفازة والصحراء.