الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥الدلائل على اللوازم والوسائل
وافعل لَهُم مِثْلَمَا تَفعَل لِنَفْسِكَ، أَو أَحسَن مِن ذَلِكَ فِي كُلِّ السِّنِينَ، وَعَامِلهُم بالصدق والنَّصِيحَةِ فِي الصَّنْعَةِ، وَمَا تَصنَعُ مِنهُ. واحذَرِ النقص فِي الْمَوَازِينِ، وَلا تَأكُل أَمْوَالَهُم إِلَّا بِالْحَقِّ، خَوفَ أَن تَهْلِكَ يَومَ الدِّينِ، واعلَم أَنْ الدُّنْيَا لَيسَ فِيهَا لِعَاقلٍ مُستَقَرٌّ وَلا تَمكِينٌ، إِنَّمَا هِي طَرِيقٌ عَابِرٌ فِيهَا مَع جُملَةِ الرَّاحِلِينَ إِلَى دَار ثَواب رَبِّ العالمين، أو عِقاب لا رَيبَ فِيهِ، بَل هُو حَقٌّ يَقِينُ، وكُل مَارٌ بِسُرعَةٍ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٍ من قُطَّاعِ أَو لُصُوصِ جَائِرِينَ، ولا يلتفتُ فِيهَا إِلَّا لِما لا بُدَّ مِنهُ مِن قُوتٍ وَثَوب، وشُربَة مَاء مُعَيَّنٍ لاَ يَهُمُّهُ هُناكَ جَمعُ مَالٍ، ولا أَزواج، وَلَا بَنِينَ، إِنَّما هَمُّهُ سَلامَةُ نَفسه مِن الدَّاءِ الدَّفِين، إن كَانَ لَهُ عَمَلٌ يُمَيِّرُ بِهِ بَينَ الْخَفِيفِ
والرزين.
فإِنِّي إِذا نَظَرتُ الدُّنْيَا بِعَينِ بَصِيرَةٍ، لم أر الرَّعْبَةَ فِيهَا إِلا لِلمَجانين؛ لأَن العُمرَ - وإِن طَالَ فِيها - فَمِثلُ سَاعَةٍ مَرَّت، ولَم يَبقَ لَهَا أَثرٌ يَبِين.
فانظُر فِيمَا أَخبَرَ اللهُ عَن يَعقُوبَ النَّبِيَّ الأَمِين - عَليهِ سَلَامُ اللَّهِ دَائِمًا وعَلَى أَولادِه الطيبين الطاهرين - بَعدما قَصَّ خَبَرَهُم مِن أَوَّلِ شَبَابِهِم إِلَى آخِرِ أَعْمَارِهِم بِطُولِ تِلكَ السنين، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب (1) الْمُتَيَفِّظِينَ، فَصَارَ ذلِك جميعا مثل "خبر كَانَ عِند النَّحوثِينَ. ولا شَكٍّ أَنْ السَّائِرَ فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ أو بَعِيدٍ، أَن الْخَفَّ خَيْرٌ لَه وأَيْسَرُ عَليهِ مِن الثِّقَل. فَانظُر – رَحِمَك - رحمك الله - فِيمَا تَطلب من الرِّزْقِ إِن كُنتَ صَائِعًا، فَاحْذَر الغش لأُمَّةِ
مُحَمَّدٍ، فَإِنَّكَ إِن عَشَشَتَهُم فَعِتُكَ رَاجِعٌ عليكَ.
فلا تَعمَل لِلنَّاسِ في صناعَتِكَ دُونَ مَا تَفعَلهُ لِنَفْسِكَ، إن لم يكن خيرا من ذَلِكَ، فكل شيء ترضاه لنفسك من الصَّنَاعَةِ فَاصنَع مِثلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَا يَحْمِلكَ الطَّمَعُ عَلَى أَحْذِ
ما لا يَجُوزِ لَكَ أَخذُهُ فِي الشَّرع.
1) سورة يوسف: 111.