الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ٣٠الدلائل على اللوازم والوسائل
وكذلك اللغات التي ينطقون بها من عربية وعجميَّة، فهل أحد يدركها، فلا إله إلا الله .. أَمَا فِي ذَلِكَ فِكْرَة (1) لِمَن عَرَفَ ودَرَى؟!
ثُمَّ تصريف الرياح جنوبا وشمالا، وصبا (3) ودَبورًا (3)، وبين ذَلِكَ مِمَّا لا يخفى على مَن
رزقه عقلا.
وكذلك اختلاف طبائع الآدميين، جعل منهم الكيس والعاجز، والحسن والذميم، والبخيل والكريم، والحر والعبد، واللئيم وواسع الصدر وضيقه، والضاحك والعابس، والراجي والآيس، والصحيح والسقيم، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والمطيع والعاصي؛ هل يقدر أحد على ذَلِكَ غيره؟! تَعَالَى الله عَن أن يُشركه أحد في تدبير ملكه، وأمور خلقه وإن دير مدير منهم شيئا فهو مديره لذلك.
واعْلَم أَنَّ الله تَعَالَى واحد فرد صمد لا ثاني له، ولا ضدّ ولا ند، ولا مثل له، عالم لا يجوز عَلَيه الجهل، وليس عِلمه مستفادا بل عالم بنفسه، وسميع لا بأذن يسمع بها مثل خلقه، وَإِنَّمَا معنى "سميع" أَنَّهُ عليم وينفى عنه الصمم، و"بصير" لا يبصر مثل بصر خلقه تعالى، ولو أنه مثل بصرهم لا يُشبههم بشيء، تَعَالَى الله عن ذَلِكَ .. فليس هُو بِجسم وَلَا محدود، ولا تُحيط به الأقطار ولا الأقدار، وَلاَ يُرى بالأبصار .. وهو الله الواحد القهار حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو يُدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، وهو اللطيف الخبير.
سبحانه مُباين للأشياء لا بمفارقة، بعيد عنها لا بمسافة؛ لأَنَّهُ تَعَالَى يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) () وقال: لو مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ
1) في (خ): حكمة.
)
(4)
(2) ريح الصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وهي عكس الدبور. انظر: مختار الصحاح، (صبا). الدبور: جمع دبر ودبائر، وهو: ريح من قبل القبلة دابرة نحو المشرق. انظر: العين، (دبر). (4) سورة الحديد: 4.