الدلائل على اللوازم والوسائل درويش بن جمعة بن عمر المحروقي

الدلائل على اللوازم والوسائل

الجزء ١ · صفحة ٣٦٦

الدلائل على اللوازم والوسائل

وَكَظم الغيظ، وغُفْرَانِ الزَّلَلِ، وَالاحتمالِ لِلكُلِّ إِلا مَا لا يَجُوزُ فيه الاحتِمَالُ وَالتَّغاضي، في مثل الأمرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنهي عَن الْمُنكَرِ، وَالْحُكمِ بِالعدل، ولَو غَضِبُوا عَليكَ؛ فَإِذا أَصلَحتَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الله فَلا تَخَف أحدًا، وَإِن ضَيَّعتَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَلا تَأْمَن أحدًا أبدًا.

وخالط أهل زمانِكَ، ولا تَعلُ عَلَيهِم فَعُد مَرضَاهُم، وَشَبِّع جَنائِزَهُم، وَوَاسِ فقراءَهُم، وابدأهُم بِالتَّحِيَّة، ولا تَتفَضَّل عَلَيهِم؛ فإنك لا تَدرِي بِمَن هُو أَفضَل عِندَ الله مِنكُم، ولأنك لا تدري بما يخيم لك، ولا بِمَا يَختِمُ لَهُم، وَلَا تَدْرِي مَن الْمَقبولُ مِنكُم عِندَ الله، ولا من الْمَردُودُ، ولا من الْمُقرَّب ولا مَنِ الْمُبْعَدِ، فَإِنَّ الأَمَرَ غَيبٌ

عليك.

ولَيْسَ فِيمَا حَمَلتَه مِن الثقل دَلالة تُقربك إلى الله، بَل رُبَّمَا خِيفَ عَلَيْكَ الْفِتْنَةِ مِنَ الرياء والإعجاب والعُلُو، والرفعة بما نلتهُ مِنَ العلم، وبِمَا صِرتَ إِلَيْهِ مِن رُتْبَةِ الْحُكمِ، ولَيْسَ ذَلِكَ فَضيلَة لَكَ بَل هُو فَضلُ مِنَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَمَنْ بِهِ عَلَيكَ.

ولو عرفت ذَلِكَ لَمَا فَرعَتَ مِن شُكرِ الله تَعَالَى بِمَا حَصَّكَ بِهِ فَضلاً عَن غَيرِكَ. وَأَمَّا الْحُكمُ: فَهُو حِملٌ ثَقِيلَ حَمَلَتَه، ولا فَخرَ لِلحَامِل عَلَى الْمُحْفٌ، فَأَيِّ فَخرٍ وفَضلٍ لكَ بذَلِكَ؟!

وَأَمَّا في جملة أحوالك فَإِنَّكَ لا شك مثلهم، إِن لَمْ تَكُن أَضعَفَ قُوَّة، وأقل حَركَة الأَنكَ خُلِقتَ مِن نُطفَة، ولبثت في بطن أُمِّكَ مُدَّة مثلهم، وخرجت منها من مَخرجِ الْبَول، وبقيت مُدَّةً في الطفولةِ لاَ تَعقِلُ، وفِي حَالكَ التِي أَنتَ فِيهَا، وتَعدُّ نَفْسَكَ في العلو، وأنت تأكل وتشربُ وتَنامُ وتَمرضُ، وتبولُ وتَتغوط وتموت مِثلَهُم .. فَبِأَيِّ حَالَةٍ ومَتِلَة تَسْبِقُهُم .. فَاشْكُر الله وَاحْمَدهُ أَنْ فَضَّلكَ عَلَيهِم، وأعلا منزِلتَكَ عَلَيْهِم، وأنتَ مِنهُم ومثلهُم، وَرُبَّمَا سَبقوك في أشياء لا تَقدِرُ أنتَ عَلَيْهَا .. فَدَع عَنكَ الرِّفْعَةَ والعلو والكبر، فإنْ ذَلِكَ شِعارُ مَن لا يَخافُ الله تَعَالَى