الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ٣٧٧البات
الدلائل على اللوازم والوسائل
في شيء من صِفَة الوصايا، ومَا يُسْتَحبُّ مِن ذَلِكَ، ويُؤمر به
فَإِذَا رزقك الله تَعَالَى - يا أخي عُمرًا بِعافِيَةٍ، وَرِزْقًا حَلالاً أَعْنَاكَ بِه عَن النَّاسِ، وبقيت في الدُّنيا وذُقت مِن طُعومِهَا مِن حُلوهَا وَمُرْهَا، وَبَردِهَا وَحَرَّهَا، وَخَرَجت من الشباب إِلَى الْمَشيب، أو لَحِقكَ بَعْضُ مِن هُمومِهَا؛ فَاذكُر نعمَةَ اللهِ عَلَيكَ بِمَا حَصَّكَ به مِن هَذِهِ الْحَالَةِ التي لَمْ يَلْعَهَا كَثيرٌ مِن أَقاربكَ، وَجيرَانِكَ، وَأَصحَابِكَ، وأولادِكَ، وإخوانك، وأصدقائك، وأعدَائِك، وأعوانك، وَكَثيرٌ مِمَّن تَعرفُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ؛ مِنْهُم مَن مات طِفلاً وَهَنيئًا لَه، ومِنْهُم مَن مَاتَ شَابًا، وكهلاً، وشيخا، ومِنْهُم مَن لَبِثَ مَرِيضًا مُدَّةً وفقيرًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.
فلا تَأْمَنَنَّ بَعْدَهُم من اللحوق بهِم عَاجِلا، فإِنَّهُم لَمْ يَموتُوا عَنكَ بَل مَاتُوا قَبْلَكَ، وَأَنتَ تَراهُم صِحَاحًا ومرضى، وَمَوتى، وتَرَى أَمْوَالَهُم تُقسَّمُ بَعْدَهُم، وَأَزْوَاجِهُم تُتَزَوَّجُ بِرَعْبَةٍ لَا بوحشة، وبيوتُهُم تُسكَن، حتَّى كَأَنها لَمْ تَكُن لَهُم، وأنتَ تَرَى ذَلِكَ بِعَينَيكَ فِي كُلِّ يَومٍ، وفِي كُلِّ شَهرٍ، وفِي كُلِّ عَامٍ. أَنظُنُّ أَنَّ الْمَوْتَ نَاسيك، أو غافل عَنكَ؟ أَو لا يَأْتِيكَ؟ هَيهات، هَيهَات؛ إِنَّمَا مَثْلُكَ وَمَثلهُم كَالقَافِلَةِ الْكَبِيرَةِ أَنا حَت بِمَكان، فنَاسُها قائلون أَو بَاتِتُونَ، ثُمَّ هَمُّوا بِالرحيلِ إِلَى حَيْثُ هُم رَائِحُونَ، فَسَبَقَ بَعْضُهم بسيرٍ يَومٍ، أو يومين، أو سَاعَة، أو خطوة، وهَذا يَشدُّ الرحيل، وهَذا يَردُّ الْحَمَلَ، وهَذا يَؤُمُ الْحِملَ، وَهَذا قَد نَهضَ مِن مكانه، فَأَناخَ يَتِلكَ البقعة غَيْرهم، فاختلَطُوا أَيَّامًا قَلائل، ثُمَّ نَهضَت القافلة الأولى جَمِيعًا، ثُمَّ هَمَّت الآخِرَة بالرحيلِ عَلَى أَثَرِهَا.
(1)
(1) زم الشيء يرمهُ: شَدَّه، انظر: لسان العرب (زمم).