الدلائل على اللوازم والوسائل درويش بن جمعة بن عمر المحروقي

الدلائل على اللوازم والوسائل

الجزء ١ · صفحة ٣٨٨

الدلائل على اللوازم والوسائل

ولا ينوي بإنفاقه مُضَارًا لِعِيَالِه بَل يُنفِقُهُ مُتَقَرِّبا به إِلَى مَن حَوَّلَهُ إِيَّاهُ، رَاحِيًا ثَوابَه فِي عقباه، لأَنه مِن عِنْدِ الله فَيُنفِقه الله.

ولا يحبسه خوف الفَقرِ فَإِنَّه لَو أَنفَقَ - مثلاً - اليومَ جَمِيعَ مَالِهِ، وعَاشَ إِلَى غَدٍ، فيأتِيهِ رِزْقُهُ فِي غَدٍ مِن حَيْثُ لَا يَدْرِي.

فَإِنَّه لَيْسَ الرزقُ مِن جَمعِ الْمَال، ولا مِن تَدبيرِ الإِنسَانِ؛ لأَنَّه رُبَّمَا صَنَعَ طَعَامَهُ وقَعَدَ لِيَا كُلَّه فَحِيلَ بَينَهُ وبَينه بِشَيْء، وكُتِبَ لغَيْرِهِ، وشَيْء لَمْ يَخطُر لَه بباله، وَلَمْ يَعُدَّه مِن

رزقه سيق إِلَيْهِ وأكله بِالْهَنَاءِ .. فَإِذَا كَانَ الأمرُ كَذَلِكَ فَلِمَ الْجَمعُ، ولِمَ الطمع؟ وآفة الجمع: سُؤالُ اللهُ لكَ يَومَ القِيَامَة مِن أينَ جَمعته، وفِيمَ أَنفَقْتَهُ؟ فَمَا جَوَابُكَ لَه وقَد صَارَ الْمَالُ لَغَيْرِك والْحِسَابِ عَلَيكَ. ولَو كُنتَ جَمعتَهُ مِن حَلالٍ فَلا بُدَّ مِن السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْمَوقِف الْعَظِيمِ، عِنْدَ اجتماع الأَوَّلِين وَالآخِرينَ فِي الْجُوعِ والعَطش .. فَلَا يَقُومٍ فَرَحُ هَذَا الْمَالَ وَنَفَعُهُ بِمَشَقِّةِ

ذلِكَ الْمَوقِف. ولَو سَلِمْتَ مِن الْعُقوبَةِ فَراحَةُ الفُقَرَاء فِي ذَلِكَ اليوم مِنَ السؤالِ خَيْرٌ مِن مَالِك، ولو كُنتَ جَمَعَتَه مِن حَلال، وَأَنفَقَتَهُ فِي حَقٌّ وَصَواب.

ففي ذلك اليومِ يَودُّ الأغنياء أن لَو كَانُوا فُقَرَاء، ولا يَودُّ الفُقَرَاء أَن لَو كَانُوا أَغْنِيَاء. وَأَمَّا الذي استفَادَهُ الأَغنياء في الدُّنيا، ولَو نَالُوا مِنهَا مَا نَالُوا فَلَا حَاصِل لَهُ، وَإِنَّمَا هُو في المثل كما قال الشاعر - وما أحسنه -:

مَا مَضَى فَاتَ، وَالْمُؤْمَلُ غَيبُ ولكَ السَّاعَةُ التي أنت فيهـ (1) فإذا كان الأمر عَلَى هَذَا فَمَا الفائِدَةُ فِي أَن أَجْمَعِ الْمَالَ لِلوَارِث، وأنا صَبَاحًا ورواحا أنتظر الحوادث .. فَإِذَا أَصبَحتُ، ورَزَقَنِي الله عَذَاءٌ، فَإِن بَقيتُ إِلَى الليلِ،

فَسَيَرزُقنِي عَشاء، وَإِن عَرِيتُ فَسيعطِينِي كِساء، وأَيُّ حَاجَةٍ لِي بَعْدَ ذَلِكَ؟!

1) ينسب هذا البيت اليتيم إلى الشاعر أبي إسحاق الغزي، شاعر خراسان، أحد شعراء ق 5 و 6 الهجريين. والله أعلم.