الدلائل على اللوازم والوسائل
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢الدلائل على اللوازم والوسائل
ولد، ولا قريب ولا بعيد، ولا يُغنِي عَنكَ الندم، ولا يُقبَلُ لكَ عُذر، ولَو جِئتَ بِملء الأرضِ ذَهَبًا أَو فِضَّةٍ مَا نَفَعَكَ.
وانى لك أن تَأْتِيَ بِه لَو امتحنت به؟ ولَو تَوسَّلتَ بِالْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالأنبياءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وعَليهِم أَجْمَعِين -، وَالأَولِياءِ الصَّالِحِينَ مَا نَفَعُوكَ أَبَدًا، إلا مَا حَرَجت عَلَيهِ من الدُّنْيَا. فَإِذَا كَانَ الأَمرُ كَذَلِكَ؛ فَلِمَ تَتعَرَّض لِلمَهَالِك؟ ولأيِّ شَيْءٍ تَدَّخِرِ الأَمْوَالَ وَالأَولاد؟ بل ادَّخِر الزاد، وخذ حَظْكَ مِن طَاعَةِ الله تَعَالَى مَا دَامَت أَعضَاؤُكَ قَوِيَّةٌ، وجَوارِحُكَ
سَوِيَّةٌ، وابذل الْمَالَ مَا دُمْتَ لَه مَالِكاً، قَبلَ أَن يَصِيرَ إِلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. واذكر الله بِلِسَانِكَ لَيلاً ونهاراً قَبلَ أَن يُحالَ بَينَك وبَينَ ذَلِكَ، وَاصبر فَمُدَّةُ الدُّنْيَا قليلة، وَالغَنِيمَةُ إِذَا حَصَلتَ مِنهَا هَزيلة، ولو لقيت في الدُّنْيَا غُصصًا وَأَذًى ونَكدا، وجُوعًا وَعُرُبًا وَسُقمًا.
ولَو كُنت – مَثَلاً فِيهَا - في نَارِ طُولَ عُمرِك وسَلِمتَ فِي الآخِرَةِ لَكُنتَ مِنَ الفَائِزِينَ، وحاشا الله أَن يُعَذِّبَكَ بِغَيْرِ جُرمٍ وَإِثْم .. وتُبعَث بَعْدَ الْمَوْتِ عَرياناً، فَإِن كُنتَ مُؤمنًا فَتَكسَى هُنالِكَ مِن عِنْدَ الله، وتَتَلَقَّاكَ أولادك الذِينَ مَاتُوا قَبلَ البُلُوغِ بِبَارِدِ الْمَاءِ لِلشرَابِ، هَذَا فِي بَعْضِ الكتب .. والأصح – عِنْدَي – أن تَتَلَقَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمَلائِكَةُ الْكَرَامُ.
وَستَقفُ - بِإِذنِ الله تَعَالَى - فِي مَوقِفِ القِيَامَةِ، فَيَجمَعُ اللَّهُ هُنالِكَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ويظهر للكلِّ مَا قَدَّمَه، فَإِن كَانَ خيراً فتَحاسَبُ حِساباً يسيراً، وَتَدخُل – برحمة الله – جَنَّةَ الْخُلدِ مَسروراً خالدًا فِيهَا أَبَدًا مَحبُوراً، لكَ فِيهَا مِن فَضْلِ اللَّهِ مَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُكَ، وَتَلدٌ عَينكَ مِن كُلِّ نَعِيمٍ، ولا يَقدِرُ وَاصفٌ أَن يَصفَهُ، فَتَنسَى جَمِيعِ مَا لَقِيتَ فِي الدُّنْيَا،
ومَا أَصابَكَ مِن فَقرٍ وَأَسقَامٍ، وتعب ونَصَب، وجُوعٍ وذُلٌ، وَغَمْ وَاهِتِمَامٍ، وَتَنسَى مَن خَسِر بِسُوءٍ عَمَلِهِ مِن آبَائِكَ وَأَبْنَائِكَ، وجيرانك وأقاربككَ وأقرانك، والأرحام.