الدلائل على اللوازم والوسائل درويش بن جمعة بن عمر المحروقي

الدلائل على اللوازم والوسائل

الجزء ١ · صفحة ٤٠٦

الدلائل على اللوازم والوسائل

فِي وَطَنِه وعِنْدَ أَحبابه، وآخر فِي غُريَتِه .. وكَم مَن عَافَصَه وهُو خَارِج في طَلب رئاسة إِلَى عَدوِّهِ بِسَلاحِهِ وَعُدَّتِهِ.

فلا أُحصي حَوادِثَ الْحِمَامِ؛ فَاسْتَعِدَّ يَا ابنَ آدَم لِسَطوتِه، وَاعلَم أَنِّي قَد دَخَلَتْ فَي الدُّنْيَا، وَذُقتُ مِن لَذيذ طَعمِها وغُصَّتِه، وَمَررتُ فِي طَريقِ الشباب وَحدَيْهِ، وَطَعِمْتُ الفقر وذُقت السقم في مُدَّتِه، وجَرَّبتُ الأَسفَارَ وَالأوطان، والتعب والراحَةَ، وَكُلِّ شَيْءٍ من ذَلِكَ في وقتِه، وَعاشَرتُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فَكَم مَن حَمِدَتُهُ في عِشرَتِه .. وَلَحقِّنِي الْمَشيبُ بَعْدَ ذلِكَ، ونشبتُ فِي قَبضَتِه، وكأني الآنَ قَد قَضَيتُ جَمِيعَ الأَوطَارِ مِن الدُّنْيَا، وصِرتُ بالصباح والرواحِ مُنتظِرًا الْمَوْتَ وَكُرَبَته.

فَلَم أَرَ الدُّنْيَا فِي جَمِيعِ مَا عِشتُ فِيهَا وَلَقيتُ مِنَ الْحُزنِ والسرورِ إِلَّا كَمَن وَثَبَ سَاعَةٌ في مشيَتِهِ، أَو كَمَن سَاعَ لُقمَةٌ فِي حَلقه ثُمَّ ذَهَبَت بجُرعَتِه، أَو مِثْل مَن رَكِبَ دَابَّةٌ يَومًا ثُمَّ نزل إلى خدمته، أو كَمَن زَرعَ زَرعًا ثُمَّ حَصدَهُ بَعْدَ يُيسه فِي بَلدَتِه، أَو كَراكِب سَفِينَةٍ في

بحر بجميع أمواله وأهبَتِه فَأَغرَقَتْهُ الأمواج بسرعةٍ، فَذهِبَ بِمَالِهِ، وَلَا مَطْمَعَ فِي رَجَعَتِهِ. ولَو أَنْ هَذَا الْمَذكور - مِن مَصائب الدُّنْيَا - يَذهَبُ ذهابًا لَا يُرجَى عَودُه لَكَانَ ذَلِكَ

غاية السرورِ ولَو لَمْ يُدخِلهُ الله فِي جَنَّتِه، لَكن بَعْدَهُ عِقابٌ لِلعاصِي لَا غَايَةَ لِمُدَّتِهِ. فَإِذَا كَانَ الأَمر كَذَلِكَ فَاطلب رِضًا الله تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَابذل مجهودَكَ فِيهَا بِإخلاص وجد واجتهاد، لا بريَاءِ وَإعجاب. فاحذر مِنَ الرياءِ وَآفتِه، فَإن وفقك الله تَعَالَى وَيَسَّرَ لكَ شَيْئًا مِن طَاعَتِهِ فَاحْمَدَهُ وَاشْكُرْهُ

على عظيم نعمتِه، وَجزِيلِ عَطائِهِ، وَجَلِيلٍ مِنّتِه، فَإِنَّهُ لَا يَحصُلُ التوفيقُ وَالتَّيسِيرُ إِلَّا مِنْهُ. فَكُم تَرَى وَتَسمَع بِمَن اجتَهَدَ وَعَبدَ رَبَّهُ فَرُدَّت عَلَيْهِ عِبادته، إذ حُرِمَ التوفيق، فَعَمِي عَلَيهِ بسوء فعله طريق التحقيق.

1) عافص من العفص وهو الأخذ والمفاجأة انظر: قاموس المحيط (عفص).