الدلائل على اللوازم والوسائل درويش بن جمعة بن عمر المحروقي

الدلائل على اللوازم والوسائل

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

الدلائل على اللوازم والوسائل

فَمِن أَين - يَرحَمكَ الله - تُؤَدِّي شكرَ هَذِهِ النِّعمَةِ؟! وأَنتَ لَو كَانَ مِن رَأْسِكَ إلى قَدَمِيكَ أَلسُنُ لا تَفْتُرُ عَن ذِكرِ الله تَعَالَى لَيلاً ولا نهاراً، أو تصدقت بما مَلَكَت يَمينُك، وكَانَ ذَلِكَ مِلء الأرض ذَهَبًا، وصُمت طُولَ عُمركَ، وَصلِّيتَ في أَوقاتِ دَهرِكَ، وَلَمْ تَعصِ اللَّه طَرفَةَ عَينٍ، ولا رَكِبت مَا فِيهِ عَيبٌ وَشَينٌ، وقُمتَ بِالفرائض والنوَافِلِ، وَأَدَّيتَ اللوازمَ وَالوَسَائِلَ لَمَا قُمتَ بواجب شكره، ولَو جِئتَ بِجَمِيعِ مَا لَزِمَكَ مِن

أمره؛ لأنه كُلَّه مِن عِنْدَه، وأَنتَ وجَمِيعِ الْخَلقِ عَبِيدُه، وهَل تَجِدُ أَحَدًا لَيْسَ بِعِبدِهِ. أو مَا سَمِعت قولَه تَعَالَى: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى) (1)، وقَولَه تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، مَا زَكَى مِنكُر مَنْ أَحَدٍ أَبَدًا (2)، وقوله تَعَالَى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرةَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) (3). أرأيتَ لَو لَمْ يَتفَضَّل عَلَيكَ بِكَرَاهِيَّةِ ذَلِكَ مَا كُنتَ تَصنَع؟! فَأَينَ شُكرَكَ لِتَقُومَ بِحَمدٍ

يَصلُ إِلَى هَذِهِ الفضائِلِ كُلِّهَا، فَكَيفَ بِثَواب لاَ غَايةَ لَه، ولا وَاصفَ يَقدِرُ أَن يَصِفَه. ومن علامة التوفيق أأَنكَ إذَا طَلَبتَ شَيْئاً مِنَ الطاعَاتِ يَسَّرهَا اللَّهُ لَكَ وَسَهَّلَهَا عَلَيكَ، وتَكُونُ عَلَى زِيَادَة فِي دِينَكَ .. وَالْخُدْلَانُ ضِدٌ ذَلِكَ.

فَإِذَا رَأيتَ عَلَامَةَ الْخُذلانِ، وهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا أَرَدتَ شَيْئاً مِنَ الطَاعَاتِ لَمْ يَتَيسَّر لكَ ذلِكَ، وَلَمْ تَنشَط نَفسُك لَه؛ فَاعلَم أَنكَ مَحْذُولٌ فَنَحْ عَلَى نَفْسِكَ، ولا يَكُون ذَلِكَ إِلَّا من قبل نَفسِكَ؛ لأنَّكَ لَو جئتَ بِصدق وإخلاص واجتِهَادٍ لَمَا حُرِمت التوفيق، حَاشَا الله وَكَلا، وهُو يَقُولُ: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4).

(1) سورة الأعراف: 178.

2) سورة النور: 21. (3) سورة الحجرات: 7.

(4) سورة العنكبوت: 69.