تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١٠٢كذلك عندي فلو أردت أنه لم يقم عمرو ولا بكر ولا خالد بل زيد لم يجز لك أن تطلق " ما قام إلا زيد " لتوهم أنه: " ما قام أحد من أهل البلد أو نحو ذلك إلا زيد "، فلا بد أن تنصب قرينة تدلّ على أنك احترزت عن الثلاثة، ولا بعد من المقام حذف فاعل المصدر، ولا يحتاج حذفه لقرينة. واعلم أنّ القرينة المعينة مصححة للحذف، والكلام في القرينة المرجحة التي يختص البليغ بملاحظتها، لأن العامي أيضا يحذف لوجود القرينة. والله أعلم.
باب ذكر المسند إليه
يذكر إذا لم يكن داع لحذفه، لأنّ الأصل الذكر، والداعي لحذفه يكون في قصد المتكلّم، فإذا لم يكن ذكر ولم يحذف، ولو وجدت القرينة ولاسيما إن كانت القرينة خفية ـ فإنه يتأكد ذكره احتياطا، لعلّ المخاطب لا يفهم بها لو حذف. واللفظ أقوى من القرينة العقلية، لكن لا مطلقا عندي بل من حيث أنه ينتفع به في الدلالة مع أدنى عقل، ولا حاجة معه إلى شدّة بحث. وقيل: جنس القرينة العقليّة أقوى من جنس اللفظ، وبعض أفراد اللفظ أقوى من القرينة العقلية. ويذكر المسند إليه مع وضوح القرينة إذا كان المقصود بالسماع غبيا لا يفهم إلا بذكر، أو كان يفهمه ولكن يذكر له تنبيها على غباوته في سائر أمره أو في بعض مخصوص، فيجري ذكره له مجرى التوبيخ على غباوته أو يذكر له إهانة. ولو كان ذكره في ذلك كالعبث بالنسبة لغيره لأن له داعيا لذكره وهو الغباوة، مثال ذلك أن يقول: الغبي: " ماذا قال زيد " فتقول: " زيد قال كذا " ولو كان لا يجوز على السامع غفلة عن سماع وعدم فهم تنبيها على أنه غبي لا ينبغ الخطاب معه إلا هكذا.
111
ويذكر أيضا لزيادة إيضاحه في ذهن السامع وتثبيته بحيث لو لم يذكر لعلمه تحقيقا؛ فبذكره تجتمع الدلالة اللفظية والعقلية، ولا يصح التمثيل بقول الله سبحانه وتعالى أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ 111 فعلى أنّ "هم" ضمير فصل أو "حرف" ليس بمسند إليه قبله وهو: " أولئك" لزيادة الإيضاح والتثبيت، ولو حذف لتبعه "هم" في "الحذف، لكن لا يبقى دليل على المحذوف، بل يبقى عطف المفرد على الخبر هكذا أولئك على هدى من ربهم والمفلحون".
111 ـ سورة البقرة الآية.
86