تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١١٤كإطلاق المشفّر المقيد بشفة البعير على مطلق الشفة الواقع في ضمن شفة الإنسان؛ فإن نظرت على خصوص المقيّد الأخرى متفرعا على مجاز آخر. فالأوّل من إطلاق المقيد على المطلق، والثاني بالعكس. ولا يصح التمثيل به للكناية أيضا، إذ لو كان المراد ذلك لكان قولك: " فعل كذا هذا الرجل" مشيرا إلى كافر قاصدا إلى أنّ الفعل صدر من غيره، وقولك: "فعل كذا أبو جهل" كناية عن الجهنّمي والجهنّمي لازم للكافر ولأبي لهب ولا قائل بأنه كناية، واعترض بأن اللازم على كون المراد ذلك صحة القول به في المواضع الأخر لا القول به بالفعل، وإن أُريد منع الصحة لم يصح المنع ولا يضر أن أحدا لم يقله، قيل ويدلّ على أن ذلك فاسد تمثيل صاحب
"
119
المفتاح وغيره لهذه الكناية بقوله تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ ولا شك أنه ليس المراد في الآية كافرا آخر وإلا كان استعارة لا كناية والمسند إليه فيها في الحقيقة "أبو لهب" لأنّ " يَدَا "مقحم وجه إقحامه أن جل الأعمال باليدين، وإذا هلكتا هلك صاحبها. وقد يقال: المراد " بأبي لهب ' في التمثيل به في غير الآية الذي اشتهر اتصاف المسمّى به في ضمن هذا اللفظ، وحينئذ فلا يحتاج إلى اعتبار المعنى الأصلي والانتقال منه إلى لازمه، بل ينتقل إلى ذلك اللازم من مسمّى اللفظ الذي هو الذات المخصوصة لاشتهار اتصافها به في ضمن هذا اللفظ، وحاصله أن أبا لهب كناية عن صفة مسمّاه، فلا يكون استعارة. فيجب أن تعلم أن أبا لهب" إنما يستعمل هنا في الشخص المسمّى به لا أن ينتقل منه إلى جهنمي، كما أنّ طويل النجاد يستعمل في معناه الموضوع له لينتقل منه إلى طول القامة، وذلك أنّ انتسابه إلى لهب النار يدلّ على ملابسته إياها. والله أعلم.
ويجاء بالمسند إليه علما للتلذذ بذكره تحقيقا، أو لإيهام التلذذ ونسوا في التلذذ وإيهامه المتكلم أو المخاطب أو السامع، كقوله [أي مجنون ليلى 120]: [من البسيط]
-
119
120
- سورة المسد الآية 1
- قيس بن الملوح بن مزاحم العامري المتوفي 68 هـ، شاعر غزل من المتيمين من أهل نجد. لم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب (ليلى بنت سعد). قيل في قصته: نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيُرىَ حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين أحجار وهو ميت فحمل إلى أهله. وكان الأصمعي ينكر وجوده ويراه اسماً بلا مسمى. والجاحظ يقول: ما ترك الناس شعراً، مجهول القائل فيه ذكر ليلى إلا نسبوه إلى المجنون. ويقول ابن الكلبي: حدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من
98