تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١١٩129
،
ففي قوله تعالى "الذينَ
تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي" إشارة إلى أنّ الخبر المبني عليه أمر من جنس العقاب والإذلال، كما صرّح به في قوله "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ". والله أعلم.
وقد تجعل الإشارة بالإتيان بالمسند إليه موصولا مع صلته إلى أن بناء الخبر عليه من طريق
الثواب أو غيره وسيلة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر كقول الفرزدق: [من الكامل] إن الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنِي لَنَا بَيْنَا، دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
ففي جعل المسند إليه "الذي سمك السماء" إشارة إلى أنّ الخبر المبني عليه يكون من جنس السمك وهو الرفع والبناء وتعريض بتعظيم هذا البناء المسموك، لأنه بناء القادر الذي بنى السماء التي لا يخفى عظمها ورفعها ألا ترى أنّ ذكر الجواد في مقام العطاء يدل على عظمة ما يعطيه بعد الدلالة على أصل العطاء، وهذا التعظيم معرّض به أعني مشار إليه من عرض الكلام، أعني من جانبه، وذلك أنّ التعريض الدلالة على معنى ليس له في الكلام ذكر ومن مطلق التعريض. وليس من الباب قولك: "ما أقبح البخل" إذا خاطبت به بخيلا، تريد التلويح إليه أنه بخيل. وأراد الفرزدق بالبيت الكعبة أو الشرف شبهه بالبيت وسماه بلفظ بيت، وهذا هو الظاهر في مدح نفسه ونسبه في القصيدة و دعائم البيت جمع دعامة بكسر الدال وهي عماد البيت؛ فالمراد بالدعائم ما تعتمد عليه الكعبة تحتها على الوجه الأوّل والذي تعتمد مثلها في العزة وعلوّ الشأن، أو المراد بالدعائم ما بني عليه شرف نسبه أو رجال نسبه والمراد أعزّ وأطول من دعائم كل بيت أو من دعائم بيتك يا جرير، لأنه يخاطبه أو أعزّ وأطول من السماء، أو اسم التفضيل خارج عن بابه، أي عزيزة طويلة.
وإن قلت: لا نزاع في كون هذا الكلام مستعملا على الإشارة إلى كون بناء الخبر من طريق المدح وعلى التعريض بتعظيم شأن الخبر، إلا أنّ تلك الإشارة لا مدخل لها في إفادة تعظيم الخبر أصلا، فليست وسيلة إلى التعريض بالتعظيم وإنّما نشأ التعظيم من نفس الصلة بناء على تشابه
129 ـ سورة غافر جزء من الآية 60 - الآية الكريمة (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عبادتي
130
-
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)
- الديوان دار بيروت للطباعة والنشر لبنان 1984، 155:1
103