تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١٢٠آثار المؤثر الواحد، فكما أن صنعه للسماء صنع عظيم، كذلك يكون بناؤه البيت للفرزدق ومن معه عظيما، ألا ترى أنك لو قلت: "بنى لنا بيتا من سمك السماء لكان التعريض بتعظيم البناء باقيا على حاله، وليس المسند إليه فيه مبتدأ بل فاعل قلت التعظيم المستفاد من نفس الموصول والصلة يحتاج على التوسل بالإشارة المذكورة، والكلام إنما هو في هذا.
وأما التعظيم المدلول عليه بجموع الكلام أو مجموع الصلة والموصول فلا يحتاج إليه، فإنه لا إشارة في "بني لنا بيتا من سمك السماء" لتأخر المشير وإفادة مجموع هذا الكلام أو مجموع الصلة والموصول وهو الظاهر؛ ففي بيت الفرزدق فهم تعظيم شأن الخبر بسبب الإشارة إلى أن الخبر من البناء الرفيع، إذ لولاه لاحتمل أنّ الخبر من جنس البناء الوضيع، فيفوت التعظيم. والله
أعلم.
131
وقد تجعل الإشارة بالإتيان بالمسند إليه موصولا مع صلته إلى أن بناء الخبر من طريق الثواب أو غيره وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن غير الخبر كقوله تعالى الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ (131 ففيه إشارة إلى أنّ الخبر المبني عليه من جنس الخيبة والخسران، لأن تكذيب النبي يوجب ذلك ولا يوجب إلا الشرّ، وفي هذه الإشارة تعظيم لشأن شعيب، حيث كان تكذيبه يوجب الخسران في الدارين. والله أعلم.
وكما يؤتى بالمسند إليه موصولا للإشارة المذكورة، وتجعل تلك الإشارة وسيلة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر كذلك يؤتى به موصولا لها، وتجعل وسيلة إلى الإهانة لشأن الخبر، نحو: " إنّ الذي لا يحسن معرفة الفقه قد صنف فيه " فقولك: الذي لا يحسن معرفة [الفقه قد صنّف فيه أو لشأن غيره]، والكلام على معاملة الفقه. وهذه الإشارة وسيلة إلى التعريض بإهانة تصنيفه؛ لأنه من لا يحسن شيئا لا يحسن تصنيفه فيه والمبني على الجهل شيء قبيح. وقد تجعل تلك الإشارة وسيلة إلى الإهانة بشأن غير الخبر، نحو: إن الذي يتبع الشيطان خاسر" لما كان اتباعه أمرا قبيحا علم أن متبعه قبيح - كذا مثل بعض - وفيه أنه تعلم إهانته من العلم بقبح أتباعه مع قطع النظر
عن جنس الخبر. وأجيب بأنه تُجعل بواسطة الإشارة إلى جنس الخبر إهانته أتم مما تحصل
-
131
به
سورة الأعراف جزء من الآية 92 - الآية الكريمة الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا
كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ