تخليص العاني من ربقة جهل المعاني امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

تخليص العاني من ربقة جهل المعاني

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

لأن الحاجب عن طالب العرف مما يشينه، لكن للكلام، مقاصد والنكت لا تتزاحم؛ إذ مقصد الشاعر أن يصفه في كلام مستقل بأنه لا يمنع سائلا فكان (بالواو). أو أراد بالشطر الأول التخلّي عمّا يشينه مما لو فعله لقيل: إنه ظالم لغيره، وبالثاني التحلّي بما هو تبرع منه على غيره، وكون التنكير في الثاني للتحقير أولى من القول باعتبار عموم النكرة المنفية ليكون بينه وبين الأوّل الطباق، وليكون فيه إثبات الشيء بدليل استفادة انتفاء الحاجب العظيم من انتفاء الحقير الأول. ويجوز أن يكون التنكير للقصد إلى الوحدة الشخصية، أي: ليس له حاجب واحد فكيف المتعدّد؟ لكن يفوت الطباق على هذا بين التنكيرين؛ ووجه إفادة التنكير التعظيم أو التحقير أنه بلغ المسند إليه مثلا في ارتفاع الشأن أو انحطاطه إلى حد لا يمكن معه أن يعرف لعدم الوقوف على عظمة أو لعدم الاعتداد به الالتفات إليه.

وتوجيه مجيء تنكير المسند إليه للتكثير كتوجيه مجيئه للتعظيم، وتوجيه مجيئه للتقليل كتوجيه مجيئه للتحقير؛ فإن تنكيره يأتي أيضا للتكثير والتقليل، وقد يكون تعظيمه لكثرته فتدخل في التعظيم، وقد يكون تحقيره لقلته فتدخل في التحقير. ومثال التكثير (إنّ له لإبلا وأنّ له لغنما) بلغت كثرها لحد لا يدرك فناسبه التنكير، إذ كانت مجهولة الحد لا تدرك، وللمتكلم (بأنّ له لإبلا وإن له لغنما قصد القلّة، أو قصد التعظيم، أو قصد القلة مع التحقير، أو الكثرة مع التعظيم، وأما قصد الكثرة مع الحقارة فسائغ عقلا لكن فيه تكلّف، وأظهر منه القلة مع التعظيم؛ لأن الكريم الحقيق من الأشياء قليل. ومثال التقليل قوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: رضوان قليل أكبر من كلّ نعيم في الجنة لأنّ كلّ ما سواه هو من ثمراته، وإطلاق التقليل في رضوان الله جل وعلا مجاز باعتبار تنزيل الرضا منزلة [المعدودات] نظرا إلى تعدّد متعلقاته وإلا فالرضا في نفسه لا يقبل القلة والكثرة حقيقة؛ لأنه بمعنى: علم الله جل جلاله بالسعداء وما لهم فمتعلّقه السعداء ومالهم وهم متعدّدون فهو صفة ذات، وأما على أنه صفة فعل وهو إعداده الخير للسعداء أو توفيقه لهم فمتعدّد، لكن التفسير عليه لا يناسب كيف يقال: قليل من توفيقه

173

-

173 ـ التوبة جزء من 72 - الآية الكريمة في وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنارُ خَالِدِينَ فيها ومَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

130