تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١٤٩178
ومن تنكير غير المسند إليه للتحقير قوله تعالى إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا) حقيرا ضعيفا؛ لأن
الظنّ مراتب؛ ظنّ قوي، وظنّ أقوى، كأنه علم وظنّ ضعيف وظنّ أضعف كأنه ينبئك، وكل ذلك ظن غير علم؛ فالمفعول المطلق هنا للنوعية لا للتأكيد المجرّد، وإنما قلت المجرد لأن المفعول المطلق أبدا للتأكيد؛ إما التأكيد المجرد، وإما مع النوعية وإما مع العددية، ولو كان بمجرد التأكيد لم يصح التفريغ إليه، إذ لا يقال: "ما قام إلا قياما" وإلا كان كقولك: "ما زيد إلا زيد" إذ لم يحتمل عموم محذوف قبل إلا "صالح" لأن يستثنى منه ما بعدها، وكان أيضا كقولك الضرب وأن لا ضرب فيتناقض، فإذا قلت: "ما ضرب إلا ضربا وأردت مطلق الضرب لم يجز، وإن أردت بتنكيره نوعا منه أو وحدة أو كثرة صح كأنك قلت: "إلا نوعا من الضرب" أو" إلا ضربة" أو "ضربتين" أو " ضربات كثيرة فهو بلفظ واحد بلا تاء صالح للنوع والتنكير. واعلم أنه إذا كان التنكير يفيد التعظيم فأولى أن يفيد له لفظ البعض كقوله تعالى
179
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَات) أي ورفع محمدا درجات فذكره بلفظ "بعض" تفخيما لفضله وإعلاء القدرة، وإيضاح ذلك أن لفظ "بعض" مطلق يصلح له ولغيره، ولوح مع هذا إلى أن المراد به هو الله وأنه لا يصلح له إلا هو الله، وما ذكر بهذا اللفظ المطلق إلا لكون المفسر به أعظم من أن يعرف في رفعته فضلا عن أن يصرح به. والله أعلم.
باب المسند إليه منعوتا
ينعت لكشف ما يعني به حقيقة أو مجازا، نحو قولك: "أعجبني الأسد" الذي ليس بجبان إذا لاقى الحرب فالأسد الشجاع مجازا، والشجاع هو الذي ليس جبانا في الحرب، وقولك: "الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ "يشغله" ف "الجسم" مبتدأ ويحتاج خبره، ووصف "بالطول والعرض والعمق" لبيان أنّ حقيقة ذلك على كل حال قال بعض علماء (البليدة) -
-
178
- الجاثية جزء من 32 الآية الكريمة (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)
179
- البقرة جزء من 253 الآية الكريمة تلك الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)
133