تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٢١٠267
عظيم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فذكر الله تعالى سؤاله الأول فقط وهو قوله: " ماذا ننفق من أموالنا إبرام شعير ماذا ننفق من أموالنا إبرام شعير أم دراهم؟ " وهكذا ولم يذكر سؤاله الثاني، وهو قوله: وأين نضعها؟ وأجاب بالثاني الذي لم يذكر، وترك الجواب عن الأوّل تنبيها على اللائق بهم تركه والاقتصار عن الثاني. ولا يخفى أنّ إجابة السؤال عن الجنس الذي يتصدق به ببيان مصرف الصدقة من خلاف مقتضى الظاهر، هكذا ظهر لي ولم أجده لغيري. و به يحصل الجواب عن إيراد صاحب عروس الأفراح " ولو أقره الصبان، ويسر أن ذلك من مقتضى الظاهر إذا أجيب عن بعض ما يطلب والسائل واحد، وجمع لأنه في جملة الصحابة، ولأنهم رضوا سؤاله فاعتبروا في مرجع الضمير، ولا يظهر أيضا أنّ السؤال عن مقدار النفقة أقليل أم كثير ولا عنه وعن الجنس. كما أجاز بعضهما الاحتمالين، بل هو عن الجنس وحده، فأجيبوا بما هو أهم وهو بيان مصرفها، لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، بخلاف ما يتصدق به فإنه يعتد به من أي جنس وقليلا أو كثيرا؛ وهي الصدقة النافلة لأنها لا يعتد بها لو وقعت في محرم كالصدقة على عاص لأجل عصيانه، أو عاص لا يجوز أن ينفق عليه كالطاعن في الدين والناشزة وكالإنفاق في معصية. فبيّن الله مصارف النفقة المختارة، ولو جاز غيرها أيضا وأثيب عليه؛ كالنفقة على غير أجنب.
والمراد النفقة على هؤلاء لولادتهم وأقربيّتهم ويتمهم ومسكنتهم وسبيليتهم لا لعصيانهم، فلو كان فيهم مانع الإنفاق لم يجر إنفاقهم بدليل خارجي، فلم يلزم ما قيل: إن صدقة النفل يشكل عليها نفي الاعتداد. وليس المراد الصدقة الواجبة لأنه ليست تجوز للأقربين مطلقا، بل إن كانوا فقراء وفي الولاية ولا للوالدين لوجوب النفقة لهما، ومن تحب نفقته عليك لا تعطه الزكاة ولو كان أقرب دون الوالدين، وإن حمل الوالدين على من لا تجب نفقته منهما كأم تحت زوج غير أبي ولدها، قيل: وكأم وابن قائمين في المعيشة غير محتاجين للإنفاق وليس غنيين، ففيه بعد لعموم اللفظ وعموم الخطاب. وأما الاعتداد بقليل من الزكاة إذا لم يعط الواجب كله فلا يعتبر من حيث أنه لا يثاب عليه ولو برئت ذمته من ذلك الذي أعطى، وكل ما فيه خير فهو صالح
-
267
هو بهاء الدين السبكي. ينظر شروح التلخيص 483:1) قال: والسبب في هذا تنبيه السائل على أنه كان الأحرى
به أو الأهم أن يسأل عما وقع الجواب عنه)
194