تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩قولك: "إن جاء زيد فأكرمه" إي على تقدير صدق مجيئه أطلب منك إكرامه، لا بمعنى الإخبار بالطلب بل بمعنى إنشائه؛ فالشرط قيد للثبوت أو الانتفاء في الخبر وللطلب أو للتمنّي أو الترجي في الإنشاء، وذلك أولى تما قيل: إن الشرط قيد للمسند. واعلم أنّ الشرط في علم النحو والمعاني والبيان واللغة قيد لحكم الجزاء، مثل المفعول ونحوه، فقولك: "إن جئتني أكرمك وقت مجيئك إياي" فالكلام هو الجزاء، وإنما الشرط قيد له ولو كانت أداة الشرط مبتدأ إن جعل الخبر فعل الشرط ومرفوعه وهو المصحح عند النحاة. وأما إن جعل جملة الشرط والجواب أو جملة الجواب فالكلام مجموع الجملتين، لأن الخبر من حيث هو خبر ليس بكلام، وكذا جزؤه من باب أولى، وإن قلت أي لفظ أفاد الوقت في قولك: "إن جئتني أكرمك" حتى جعلته بمنزلة قولك: "أكرمك وقت مجيئك إياي قلت الشرط للجزاء وزمان المعلول زمان العلة فالجزاء يثبت حين ثبت الشرط، فالمعنى: أكرمك لأجل مجيئك إياي وفي زمانه".
وقال عصام الدين: "إن" تكرمني أكرمك على تقدير مجيئك، ولا تخرج جملة الجواب عمّا كانت عليه قبل التقييد بالشرط من الخبرية والإنشائية، بل إن كان إخبارا فالجملة الشرطية خبرية، وإن كان إنشاء فإنشائيّة، وذلك أن الشرط قيد للجزاء فهو تبع له.
الأداة
وإن قلت: جملة الجزاء في قولك: "أإن ضربتك "تضربني خبر مع أن جملة الشرط إنشائية لهمزة الاستفهام قلت الاستفهام في المعنى مسلّط على الجزاء، وأمّا نفس الشرط فقد أخرجتها عن الخبرية؛ لأنه ليس كلاما أصلا إلى حكم الإنشاء، وليس بإنشاء أيضا إذ لم يحتمل الصدق والكذب فصار كالمفعول. وقالت المناطقة: كلّ من الشرط والجزاء على حدته خارج عن الخبرية؛ إذ لم يحتمل الصدق والكذب، وإنما الخبر مجموعهما المحكوم فيه بلزوم الثاني للأول، فمفهوم قولنا: "كلّما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود باعتبار المناطقة الحكم بلزوم وجود النهار لطلوع الشمس؛ فالمحكوم عليه طلوع الشمس والمحكوم به لزوم وجود النهار، ومفهومه باعتبار النحاة واللغويين والمعانيين والبيانيين الحكم بوجود النهار في كل وقت من أوقات طلوع الشمس، فالمحكوم عليه هو النهار، والمحكوم به هو الوجود وحاصل الاختلاف أن المناطقة قالوا: الجملة الشرطية الواقعة في استعمال العرب معناها الحكم بلزوم شيء لشيء، والنحاة وأهل اللغة
"
223