تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤في جانب من لم يرتب، وأنكر بأن اعتبر مخالفتها لما لم يرتب فيه مما يشك به في ارتيابه، فناسب "إن" فغلب جانبه على جانب من يقطع بشكه، فافهم ذلك فإنك لا تراه لغيري. وأداة الشرط تغلب الماضي للاستقبال إلا لفظ "كان" ولا يشاركها في ذلك أخواتها ولا لفظ "لم يكن"، وقيل: تغلب "كان" أيضا. ونسب للجمهور ووجه اختصاص "كان" بذلك قوة دلالتها على المضي لأنّ الحدث المطلق مستفاد من الخبر، فلا يستفاد من "كان" إلا الزمان، وأعني بالحدث المطلق مطلق الوجود فإنّه المستفاد من الخبر في ضمن استفادة الحدث المخصوص مثل القيام، ولا يضرنا أنّ هذا التعليل لا يجري في أخوات "كان" كـ"صار" مثلا إذ الانتقال الذي هو مدلوله لا يستفاد من الخبر حتى يتمخض للدلالة على الزمان، لأن المدعي مخصوص بـ"كان"، إلا أنه ورد أنه كما اعتبر الانتقال في "صار" اعتبر الاستمرار أو الانقطاع في "كان"، وهما غير مستفادين من الخبر قطعا، فلا
يتم
التعليل.
322
ثم رأيت ما يلائم قولي: (قد يجاب بوجود … الخ) في كلام السعد إذ قال: حاصله "إن" مجرد تغليب غير المرتابين على المرتابين لا يصح استعمال "إن" هنا بل لا بد من أن يقال: لما غلب صار الجميع بمنزلة غير المرتابين فصار الشرط قطعي الانتفاء، فاستعمل فيه "إن" على سبيل الفرق والتقدير بأن نزل الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه وعلى سبيل التبكيت والإلزام، كقوله تعالى فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا 323 فإن الإيمان كما قال الصبان بمثل القرآن محال لعدم وجوده إلا بفرض التبكيت في فرض المحال يكون من جهة أن الخصم إذا تنزل معه إلى إظهاره مدعاة في صورة المشكوك اطمأنّ إلى استماعه. وقال الكوفيون: إنّ في "إن
-
أن
كنتم قوما مسرفين" بمعنى "إذ". ويجوز كونها فيه للتوبيخ والتصوير المذكور، فالظاهر المخاطب بالآية جميع من لم يؤمن وفيهم غير المرتابين، فالأحسن في التوبيخ أن يعتبر أولا تغليب المرتاب على غيره، وقيل المخاطب المرتاب لأنه الموبّخ على الريب. والله أعلم.
322
- ينظر المطول 203:1
323
البقرة جزء من 137 - الآية الكريمة فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
228